لأن العهد مشكوك فيه، والشك ليس بحكم فلا يلتفت إليه، ونجعل الأصل هو الاستغراق.
ثم قال: (وَإِنْ عَارَضَ الاِسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ أَوِ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ لَمْ يَعُمَّ) .
كأنه قاعدة لما سبق، خصَّص في الاستثناء السابق (لاَ مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ) فيما يتعلق بالأخير .. اسم الجنس، ثم ذكر قاعدة عامة.
(وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ) يعني: اللفظ الدال على الاستغراق وهو اللفظ العام.
عارضه ماذا؟ (عُرْفٌ) يعني: تعارف عليه الناس. ادخل السوق .. قال: ذهبت إلى السوق، أسواق الدنيا كلها أو السوق المعهود؟ السوق المعهود في البلد.
(وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ أَوْ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ) يعني: لم يقصد به أن يعرَّف كما عرف الجمع. يعني: لم يتبع التعريف كل فردٍ، وإنما عرَّف الجنس من حيث هو جنس لا باعتبار الأفراد.
أل إذا دخلت على اسم الجنس لها احتمالان:
إما أن يراد به المدلول -الأفراد-. وهذا في الواقع .. في الخارج.
وإما أن يراد به المعنى الذهني.
فحينئذٍ إذا أريد به المعنى الذهني لا يكون تعريفًا للأفراد، إنما يعرِّف الخاصية التي وجدت في الذهن كما مر معنا: علم الشخص وعلم الجنس.
وأما إذا أُريد به الأفراد، حينئذٍ هو الذي يكون من صيغ العموم.
إذًا: ليس كل ما دخلت أل على اسم الجنس أفادت العموم، وإنما يُنظر في: هل التعريف هنا للجنس -الذي هو وجوده وجود ذهني فيُشخِّصه بأل-، أو أراد به الأفراد؟
إن كان أريد به الأفراد فهو داخلٌ معنا، ولذلك قال هنا: (وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ) أَوْ عارض الاستغراق (احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ) فقط، الذي هو المعنى الذهني والحقيقة الذهنية، لا باعتبار الأفراد، (لَمْ يَعُمَّ) يعني: لم يعم ما ذُكر.
{وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ} .. وهذا أكثر ما يكون فيه استعمالات الناس يعني: عرف الناس.
{لَوْ قَالَ} مثلًا: {الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لاَ أَفْعَلُ كَذَا، وَحَنِثَ} يعني: فَعَل، الطلاق هذه مثل: كل الطعام، أفاد العموم؟ أفاد العموم.
يعني: على كلام المصنف -وهو حنبلي- يرى إيقاع الطلاق بالثلاث، الجماهير .. حُكي إجماع.
حينئذٍ الطلاق يعني: كل الطلاق، لا أفعلُ كذا ففعل، كم يقع؟
إن راعينا العموم .. أن اللفظ عام، حينئذٍ أوقعنا الثلاث، وحنِث يعني: فعل هذا الشيء. حينئذٍ أوقعنا الثلاث.
لكن هل عرف الناس أرادوا الثلاث؟ نقول: لا. وإنما أراد جنس الطلاق، فحينئذٍ يقع بواحدة ولا يعم. هذا المراد هنا.
{لَوْ قَالَ: الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لاَ أَفْعَلُ كَذَا} وهذا كثيرًا ما يحصل عند الناس الآن: والله لا أفعل، عليَّ الطلاق .. إلى آخره.
اللفظ لفظٌ عام، لكنه لم يرد العدد .. الثلاث .. الاستغراق، إنما أراد جنس الطلاق، فحينئذٍ يقع بواحدة؛ لأن الجنس إنما يوجد في الخارج بواحدة ضمن أفراده.
{وَحَنِثَ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَلَيْهِ إِلاَّ وَاحِدَةً؛ لأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لاَ يَعْتَقِدُونَهُ ثَلاثًا} . يعني: عندما يتلفظ بهذا اللفظ لا يستحضر الثلاث الطلقات.