يعني: جميع ما يصدق عليه اللفظ.
{لأَنَّ الظَّاهِرَ كَالْجَمْعِ، وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ نَحْوَ: (( إنَّ الإِنْسَانَ ) )} .
إذًا: دل على أن الإنسان هنا في معنى الجمع، بدليل الاستثناء؛ لأن الاستثناء معيار العموم، فلا استثناء إلا من لفظٍ عام، هذا الأصل فيه إلا ما استثني في العدد (( إِلَّا الَّذِينَ ) )مثل ما قال: الذين. استثنى جمعًا من لفظٍ هو في اللفظ مفرد، لكنه في المعنى هو جمعٌ.
قال: (لاَ مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ) .
هذا كأنه أراد به الأخير، ولذلك مثَّل بقوله تعالى: (( كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) ).
يعني: قوله (مُعَرَّفٍ تَعْرِيفَ جِنْسٍ) ما لم تكن أل عهدية؛ لأن العهد في جميع ما يصدق عليه أنه عهدٌ، هذا محصورٌ، فهو ينافي صيغ العموم؛ لأن صيغ العموم تدل على استغراقٍ بلا حصرٍ، والعهد يعاكسه، بمعنى أنه يدل على شيءٍ محصور ولو كان فيه استغراق في بعضه، لكنه في النتيجة يكون محصورًا كالعدد، العدد عشرة، عشرون، ثلاثون .. هذا محصور.
كذلك هنا قال: (لاَ مَعَ قَرِينَةِ) .
يعني: لاَ يَعُمُّ اسم جنس المعرَّف بأل (مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ) {اتِّفَاقًا} .
{وَذَلِكَ كَسَبْقِ تَنْكِيرٍ (( كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) )} يعني: كل رسول؟ لا، إنما عصى واحدًا.
لماذا قلنا هنا؟ نقول: أل هنا للعهد، نقول: هي للعهد لوجود قرينة وهي: أن النكرة إذا أُعيدت معرفة فهي عين الأولى، والأولى: (( كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ) )هو موسى عليه السلام؛ {لأَنَّهُ يَصْرِفُهُ إِلَى ذَلِكَ فَلا يَعُمُّ إِذَا عُرِّفَ، وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْت مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) )} فهو خاص، (( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ) )فهو خاص.
(وَيَعُمُّ مَعَ جَهْلِهَا) .
يعني: إذا لم ندرِ هل أل هذه للعهد أم لا؟ يعني الاحتمال موجود، ما هو الأصل:
هل الأصل العموم والعهد طارئ، أم الأصل العهد والعموم طارئ؟
الأصل العموم والعهد طارئ، حينئذٍ إذا شككنا في كونه أفاد العهد أم لا، رجعنا إلى الأصل، كما إذا كنت متطهرًا وشككت في الحدث فالأصل الطهارة.
كذلك الأصل هنا إذا مر بك: الناس والحيوان ونحوها والماء والتراب، فالأصل فيها العموم، نحتاج إلى قرينة تدل على العهد، إن وُجدت حملناه على العهد، إن شككنا وجهلنا هذه القرينة نجعله على الأصل وهو إفادة العموم.
(وَيَعُمُّ مَعَ جَهْلِهَا) {أَيْ: جَهْلِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ تَقْيِيدَ الْعُمُومِ بِانْتِفَاءِ الْعَهْدِ يَقْتَضِي: أَنَّ الأَصْلَ فِيهِ الاِسْتِغْرَاقُ} .
قال: {تَقْيِيدَ الْعُمُومِ بِانْتِفَاءِ الْعَهْدِ} أنه يفيد العموم؛ حيث لا عهد، هذا يدل على أن الأصل فيه هو الاستغراق.
{وَلِهَذَا احْتَاجَ الْعَهْدُ إلَى قَرِينَةٍ فمَا احْتَمَلَ الْعَهْدَ وَالاِسْتِغْرَاقَ، لاِنْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ الاِسْتِغْرَاقُ لِعُمُومِ فَائِدَتِهِ} . وهذا هو الصحيح.