حينئذٍ نقول: هذا يُعتبر من العبث والحشو الذي تُنزَّه عنه اللغة، فلا تأتي في ذلك البتة، فلا بد من فائدة. ما هذي هذه الفائدة؟ قالوا -بالاستقراء مع بقية الأحوال السابقة وهي: حلوله محل وكل والاستثناء منه- قالوا: الدلالة هنا أو الزيادة إنما هي في الأفراد وهو الاستغراق.
هذا الوجه في كون مدخول أل هنا مفرد، وهو مفيد للعموم؛ لأنه لم يزد شيئًا بعد دخول أل على معناه الذي دل عليه قبل دخول أل، فحينئذٍ إذا استويا لا بد من جعل أل هنا دالة على الاستغراق. هكذا قال في تشنيف المسامع، وهذا هو الصحيح؛ لأن الجنس معلومٌ قبل دخول الألف واللام، فإذ دخلتا ولا معهود فلو لم يجعله للاستغراق لم يُفد شيئًا جديدًا.
قال هنا: {كَالسَّارِقِ، وَالزَّانِي، وَالْمُؤْمِنِ، وَالْفَاسِقِ، وَالْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاء} .
هنا مثَّل بمثالين: مشتق دخلت عليه أل، وجامدٌ دخلت عليه أل، فإنسان جامد دخلت عليه أل، وعبدٌ هذا جامد دخلت عليه أل، وحر هذا جامد دخلت عليه أل.
إذًا: مدخول أل المفرد المعرّف قد يكون مشتقًا وقد يكون جامدًا.
ولذلك استدل أهل العلم على أن قوله تعالى: (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ) [البقرة:275] البيع دخلت عليه أل، الصواب أنه عام؛ لأنه من هذا القبيل (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) ) [البقرة:275] .
البيع يعني: أنواع البيع، فهو مستغرقٌ لأفراده، الربا"وحرّم الربا"إذًا: أنواع الربا، فهو مستغرقٌ لأفراده، فهو داخل هنا، ليست الآية جملة على الصحيح.
إذًا: كالسارق، والزاني، والمؤمن، والفاسق، والعبد والحر عندنا وعند أكثر العلماء.
{قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي الرِّسَالَةِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَنَحْوَهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ} .
يعني: أراد به أنه عام، هذا محل الشاهد، أما كونه خص هذا لا إشكال فيه.
فالزانية عام، والزاني عام، وله وجهٌ آخر وهو كون الزاني والسارق هذا اسم فاعل، واسم الفاعل إذا دخلت عليه أل هي الموصولة، وأل الموصولة من صيغ العموم على الصحيح.
فحينئذٍ قد يقال بأنه اجتمع فيه أمران. يعني: إن لم نقل بأن السارق هنا كالعبد والحر، حينئذٍ نقول شيء آخر وهو أنه مشتقٌ ودخلت عليه أل: وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ.
صِفَةٌ صَرِيحَةٌ: كالضارب ونحوه.
صِلَةُ أَلْ: التي هي أل الموصولة، والموصولة من صيغ العموم، فالسارق أي: الذي سرق، والسارقة أي: التي سرقت، والزاني أي: الذي زنا، والزانية أي: التي زنت.
فحينئذٍ نقول: هذا يعم من جهتين هذا أو ذاك.
قال هنا: {وَأَيْضًا لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ} . يعني: مما يدل على أن المفرد الذي دخلت عليه أل يفيد العموم.
{لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الزِّنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ} يستدلون على ماذا؟ على العموم .. على جميع أفراده.
{وَلِوُقُوعِ الاِسْتِثْنَاءِ مِنْهُ، وَهُوَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( إنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) )} ، (( إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) ) [المعارج:22] .