{وَهُوَ مَخْصُومٌ بِقَوْله تَعَالَى: (( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ) )رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ (( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ ) )} هذا عام، (( مِنْ شَيْءٍ ) )قال: (( مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ) )وهذا استدلال بفرد على نفي العموم؛ {لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَمَا حَصَلَ بِهِ الرَّدُّ} .
قوله: (فِي نَفْيٍ) هذا أطلق النفي، حينئذٍ يشمل الحرف والفعل، والحرف يشمل: ما، ولن، ولا التي للنفي، وكذلك ليس.
{وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: (( وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) )} أين الشاهد؟
(( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ) )أي شيء.
{وقَوْله تَعَالَى: (( وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ ) )، (( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا ) )قربان، (( وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ ) )قتل، (( وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) )} تأكلوا.
هنا لو أخَّر هذه لكان أولى، سيأتي بحثها فيما يأتي.
إذًا: (( وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ) )هذا خاصٌ بالموضع.
{إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَإِنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ يَكُونُ وَضْعًا} يعني: من جهة الوضع.
(وَنَكِرَةٌ فِي نَفْيٍ، وَنَهْيٍ وَضْعًا) .
{بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ بِالْمُطَابِقَةِ} .
يعني: العرب نطقت بهذا التركيب وهو كون النكرة في النفي أو في النهي، أو في سياق النفي أو في سياق النهي دالةً به على السلب. يعني: سلب الحكم عن كل فردٍ فردٍ من مدلول النكرة.
والدلالة هنا حصلت بالمطابقة، ومر معنا: دلالة المطابقة دلالة لفظية.
إذًا قال: {فَإِنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ يَكُونُ"وَضْعًا"بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ بِالْمُطَابِقَ} .
{وَقِيلَ: إِنَّ عُمُومَهَا لُزُومًا، بِمَعْنَى: أَنَّ نَفْيَ فَرْدٍ مِنْهُمْ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ الأَفْرَادِ ضَرُورَةً} هذا ضعيف.
بمعنى أنه وُضع للدلالة على نفي فردٍ واحدٍ فقط من جهة اللفظ، ويلزم منه حينئذٍ أن يُسلب الحكم عن بقية الأفراد ضرورة، وهذا تكلف.
قال: {وَيُؤَيِّدُ الأَوَّلَ} يعني: أنه من جهة الوضع {صِحَّةُ الاسْتِثْنَاءِ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ بِالاتِّفَاقِ، فَدَلَّ عَلَى تَنَاوُلِهَا لِكُلِّ فَرْدٍ} .
وأيضًا لأن المتكلم إنما يقصد بنفيه نفي كل رجلٍ مثلًا لا نفي المشترك.
إذا قلت أنه لنفي فردٍ واحدٍ، ثم يستلزم، والاستلزام هذا عقلي وهو شيءٌ راجعٌ إلى المعنى لا إلى اللفظ، يستلزم نفي كل فردٍ فردٍ، فحينئذٍ نقول: الاستثناء وقع من اللفظ لا من الدلالة العقلية.
ثم كذلك نقول: ماذا قصد المتكلم؟
قصد كل فردٍ فردٍ من هذا المدخول، أم قصد بدلالة الالتزام؟ دلالة الالتزام هذه بعيدة عن الذهن.
حينئذٍ قصد اللفظ، ولذلك نقول: المتكلم إنما يقصد بنفيه نفي كل رجلٍ مثلًا لا نفي المشترك.