ولذلك قال: {وَلَمْ يَسْأَلْهُ: هَلْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا؟ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ} .
فكان إطلاق القول دالًا على أنه لا فرق في الحكم.
إذًا: إن أراد الأُولى والثانية والثالثة والرابعة فله أن يُمسك، وإن أراد أن يمسك السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة فله، وإن أراد السادسة .. وإلى آخره، فله الخيار؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستفصل وقال: .
فدل على أن هذه الواقعة وإن كانت عامة من حيث الأحوال، إلا أن الخيار متروكٌ له.
{وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ عِبَارَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ حِكَايَةُ الْحَالِ إِذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبُ الإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الاِسْتِدْلاَل} هذه مقابلة للسابقة.
في السابق جعل الاحتمال في قوة العام .. إذا لم يستفصل المفتي، وهنا قال: مجرد الاحتمال يسقط الاستدلال، وهذا ما يذكره بعضهم: إذا تطرق الاحتمال للدليل سقط به الاستدلال.
هذا ظاهر كلام الشافعي: {حِكَايَةُ الْحَالِ} واقعة {إِذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبُ الإِجْمَالِ} صارت مجملة. والمجمل يتوقف فيه ولا يستدل به.
وَسَقَطَ بِهَا الاسْتِدْلاَل.
فَاخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ الْعُلَمَاءِ عَنْ ذَلِكَ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلانِ يعني: في المسألة قولان.
قال الزركشي: وليس بشيء. يعني: من ادعى أن المسألة واحدة وللشافعي قولان قال: وليس بشيء.
وقال: وجمع القرافي بين العبارتين بما لا يتحصل. يعني: بما لا يوافق عليه.
قال في تشنيف المسامع: والصواب حمل الثانية على الفعل المحتمل للوقوع على وجوهٍ مختلفة، فلا يعم لأنه فِعل، والأولى على ما إذا أُطلق اللفظ جوابًا عن سؤاله فإنه يعم.
يعني: ما جاء متعلقًا بالفعل ذاته لا بسؤالٍ، حينئذٍ إذا تطرق الاحتمال بطل به الاستدلال، وإن كان وقع في جواب سؤالٍ فحينئذٍ السؤال والجواب هذا لفظٌ، فإذا تطرق الاحتمال وسكت ولم يستفصل فحينئذٍ يكون له منزلة العموم.
هذا الذي عناه الزركشي وهو أجود ما قيل في المسألة.
والصواب: حمل الثانية على الفعل المحتمل. يعني: الثاني حكاية الحال. إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال. هذا ما يتعلق بالفعل لا بسؤال.
المحتمل للوقوع على وجوهٍ مختلفة، فلا يعم؛ لأنه فعلٌ والفعل لا عموم له، والأُولى على ما إذا أُطلق اللفظ جوابًا عن سؤاله فإنه يعم أحوال السائل؛ لأنه قولٌ والعموم من عوارض الأقوال لا الأفعال.
هذا أجود ما يقال في العبارتين.
إذًا: عرفنا غير المستقل الذي لا يبتدأ به: أن الصحيح أنه يعتبر عمومه وخصوصه باعتبار السؤال.
قال: (وَالْمُسْتَقِلُّ) يعني: بنفسه.
بحيث لو ورد مبتدأ لكان يفيد العموم، هذا المراد بالمستقل.
قال: {وَهُوَ الَّذِي لَوْ وَرَدَ ابْتِدَاءً لأَفَادَ الْعُمُومَ} . فهو على ثلاثة أقسام: لأنه إما أن يكون أخص من السؤال، أو أعم، أو مساوي.
الجواب المستقل إما أن يكون أخص من السؤال، أو يكون أعم من السؤال، أو يكون مساويًا للسؤال.