كأن الشهادة هنا: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ ) ) [آل عمران:18] كل واحدٍ من هؤلاء الثلاثة: الباري جل وعلا، والملائكة، وأولوا العلم. لهم شهادة تختص بهم دون غيرهم.
فشهادة الملائكة غير شهادة الله تعالى، وشهادة أولوا العلم غير شهادة الله تعالى.
إذًا:"شهد"هذا مشترك، استُعمل في جميع معانيه في تركيبٍ واحد.
وكذلك: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ) )يصلون هذا لفظٌ مشترك استُعمل في جميع معانيه.
وَبِقَوْله تَعَالَى: (( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ) )النِّكَاحُ كما مر معنا أنه يُحمل على العقد والوطء.
قال: {النِّكَاحُ الْعَقْدُ، وَالْوَطْءُ مُرَادَانِ مِنْهُ إذَا قُلْنَا: النِّكَاحُ مُشْتَرَكٌ. وَقَطَعَ بِهِ الْبَاقِلاَّنِيُّ, وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ} .
إذًا: هذا هو الذي يصح الاعتماد عليه: أن المشترك يُطلق ويراد به جميع المعاني.
ومن هنا استدل الجمهور على أن المسجد الحرام يُطلق ويراد به الحرم كله، ويطلق ويراد به في استعمال الشرع كذلك البناء .. مسجد الكعبة.
حينئذٍ إذا عُلِّق الحكم على المسجد الحرام نقول: في الشرع استُعمل المسجد الحرام المراد به الحرم كله، وأريد به مسجد الكعبة.
حينئذٍ إذا عُلّق الحكم ولم يأت دليل منفصل يرجّح أحدهما أو يقيد أحدهما على الآخر حُمل على الجميع، ولذلك الصحيح عند الجمهور: أن الصلاة في الحرم كله بمائة ألف صلاة، أما حديث جابر في مسلم: يعني: إلا مسجد مكة؛ لأن مكة من أسمائها الكعبة، ومسجد مكة هذا يفيد العموم. يعني: مفرد مضاف فيفيد العموم.
فليس بتقييد يعني: لا يسمى مسجد الكعبة بأن المراد به المحاط بالكعبة .. البناء؛ لأن الكعبة من أسماء مكة، وحينئذٍ يكون موافقًا لقوله: المسجد الحرام. وهذا هو الصحيح.
قال: {وَيَكُونُ إطْلاقِهِ عَلَى مَعَانِيهِ أَوْ مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لا حَقِيقَةً} .
على معانيه أو معنييه يعني: في المثنى، معانيه في الجمع والمفرد كذلك.
{أَوْ مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لا حَقِيقَةً نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَبِعَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ} .
لماذا قال: مجازًا لا حقيقة؟
قال: {وَيَكُونُ إِطْلاقِهِ} يعني: ما مضى.
{عَلَى مَعَانِيهِ أَوْ مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لاَ حَقِيقَةً} .
لماذا قال: مجازًا لا حقيقة؟
قلنا فيما مضى: أن المشترك تعدد فيه الوضع، إذا قيل: القرء يدل على معنيين وهو مشترك بين الطهر والحيض، هل هو بوضعٍ واحد أو بوضعين؟ بوضعين.
إذًا: إذا استُعمل في كل معانيه، حينئذٍ استُعمل فيما لم يوضع له، فيكون مجازًا.
حينئذٍ نقول: لفظ العين له ثلاثون معنى على حسب ما قال صاحب القاموس.
فحينئذٍ نقول: إذا استُعمل في العين الباصرة، نقول: وُضع للعين الباصرة، ثم يُستعمل في الذهب، وُضع وضعًا آخر ليس هو عين الوضع السابق.