إن كان عامًا يقبل التخصيص، وإن كان خاصًا يقبل أن يكون مخصِّصًا، وهذا هو الصحيح وهو العمدة عند جماهير الأصوليين، وبنوا عليه مسألة حديث القلتين، أن مفهوم المخالفة خاص، فحينئذٍ قيّد منطوق حديث جابر أو أبي سعيد مفهوم المخالفة هو: إن كان دون القلتين يحمل الخبث مباشرة ولا يُشترط فيه التغير،"إن الماء طهور لا ينجّسه شيء"إلا إذا كان دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة. وهذا هو الصحيح.
أن العام مخصص بالمفهوم، وأما قاعدة: إذا اختلفا أو تعارضا: منطوقٌ ومفهوم قُدِّم .. ! هذه ليست على إطلاقها، هذا المراد به إذا كان المنطوق خاصًا والمفهوم خاصًا، كلٌ منهما خاص، فحينئذٍ يمتنع عندنا التخصيص.
فيُنظر فيهما: إن وُجد مرجِّح لأحدهما على الآخر قُدِّم، وإن لم يوجد مرجِّح فلا شك أن النطق أقوى من المفهوم، كما أنه إذا لم يمكن الجمع بين حديثٍ متواتر وآحاد ولم نجد ما يُرجَّح به. قلنا: هذا متواتر وهو أقوى بالثبوت، وهذا آحاد وهو مختلفٌ فيه من حيث إفادته العلم والظن فيقدم المتواتر.
كذلك في النطق، لا أحد يقول بأن المنطوق يساويه المفهوم من حيث الدرجة لا، كذلك القول والفعل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يستويان، لكن نقول: إذا تعارضا. حينئذٍ نجمع بينهما، إن كان الفعل يخصِّص القول خصصناه، وإن كان يقيده التحريم بالكراهة قيدناه. إذا لم يمكن الجمع البتة حينئذٍ نقول: القول أقوى من الفعل، أما مباشرة: القول أقوى من الفعل، فنقدم القول على الفعل هذا ليس بمسلك صحيح، وإنما الفعل ثبت كما مر معنا أنه يُعتبر مما تثبت به الأحكام الشرعية فهو دليلٌ شرعي.
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما يصدر عنه دليلٌ شرعي، فحينئذٍ المفهوم دليلٌ شرعي تثبت به الأحكام عند عدم التعارض، فإذا وقع تعارض حينئذٍ يُعامل معاملة سائر الأدلة .. إن كان ثم عام يخصص، إن كان .. إلى آخره، وسيأتي بحثه.
قال هنا: سِوَى الْمَنْطُوقِ يُخَصَّصُ بِمَا يُخَصَّصْ بِهِ الْعَامُّ هَذَا عِنْدَ الأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
قِيلَ لأَصْحَابِنَا: لَوْ كَانَ حُجَّةً لَمَا خُصَّ؛ لأَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ اللَّفْظِ كَالْعِلَّةِ، فَأَجَابُوا بِالْمَنْعِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ بِنَفْسِهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ لأن المفاهيم هذه من دلالات الألفاظ، وإن كان بعضهم اختلف في تسمية مفهوم الموافقة قياس أو إلى آخره، الخلاف لفظي، وإلا هو من دلالة اللفظ.
{فَخُصَّ كَالنُّطْقِ} إذًا: لا فرق بينهما.
قال: {وَقَدْ قِيلَ لأَحْمَدَ فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ السَّبْعَ وَالذِّئْبَ وَالْغُرَابَ وَنَحْوُهُ؟ فَاحْتَجَّ بِقَوْله تَعَالَى: (( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ ) )} فهو عام.
لَكِنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ هَلْ يَعُمُّهُ النُّطْقُ؟ فِيهِ خِلافٌ يَأْتِي.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قَالَ الآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ: الْخِلافُ فِي الْمَفْهُومِ حُجَّةٌ، لَهُ عُمُومٌ لاَ يَتَحَقَّقُ؛ لأَنَّ مَفْهُومَيْ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالِفَةِ عَامٌّ فِي سِوَى الْمَنْطُوقِ، وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.