يعني: الخلاف لفظي.
من قال بأن المفهوم لا عموم له، مع كونه يقول: بأن المفهوم حجة فهذا الخلاف معه لفظي؛ لأنه بناه على أن المفهوم معنى والمعنى لا يوصف بكونه عام.
لكن ما يترتب عليه من الأحكام يأخذ به. ولذلك قال: {الْخِلافُ فِي الْمَفْهُومِ حُجَّةٌ} أولى يعني {لَهُ عُمُومٌ لاَ يَتَحَقَّقُ؛ لأَنَّ مَفْهُومَيْ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالِفَةِ عَامٌّ فِي سِوَى الْمَنْطُوقِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ} معلوفة الغنم؟ لا زكاة فيها، من أين أخذناه؟ من المفهوم. يعني: المفهوم حجة أو لا؟ حجة، ثبت به حكمٌ شرعي؟ نعم ثبت به حكمٌ شرعي.
فيعامل هنا بكونه لم يخالف غيره أو يخالفه غيره على أنه دليل شرعي، كذلك عند المعارضة يعامل على أنه دليلٌ شرعي.
وأما الوصف بكونه دليلًا شرعيًا عند عدم المعارضة وإذا عورض قُدّم عليه مطلق المنطوق هذا لا يُسلّم له.
يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، دُونَ غَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
فَمَتَى جَعَلْنَاهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ, وَتَأَوَّلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَرَادُوا: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنْطُوقِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
{قِيلَ: قَوْلُهُمْ} يعني: قول الغزالي {الْمَفْهُومُ لا عُمُومَ لَهُ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظٍ حَتَّى يَعُمَّ} القاعدة السابقة.
{لا يُرِيدُونَ بِهِ سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ جَمِيعِ الْمَعْلُوفَةِ؛ لأَنَّهُ خِلافُ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ} بأنه حجة، ومن سلّم بأنه حجة لا بد أن يسلب الحكم عن سائر ما ذُكِر.
{وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَذْكُرُونَهُ فِي مَعْرِضِ الْبَحْثِ} .
يعني: المسألة إذا ذُكرت وذُكر الخلاف، أحيانًا تأتي ببعض التسليمات، لو قلنا، لقيل .. الخ، هذه لا تؤخذ على أنها مذاهب، ولا يُنسب للشخص نفسه أنه سلّم بكذا إلى آخره؛ لأن هذا معرض بحث، أشبه ما يكون بالمناظرة، والمناظرة لا يؤخذ منها أحكام أو فتاوى وتنسب للشخص نفسه؛ لأنه يتنزل حتى عن بعض ما يمكن أن يتنزل عنه، لكن ليست عن الأصول، وإنما عن القواعد التي قد يُسلّم في غير المحل بها.
وأما في هذا المحل -محل المعارضة والمناظرة- فحينئذٍ نقول: لا يؤخذ منه حكمٌ أو فتوى أو مذهب يُنسب لقائل.
ولذلك قال: وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَذْكُرُونَهُ فِي مَعْرِضِ الْبَحْثِ.
فَقَدْ قَالُوا: دَلالَةُ الاقْتِضَاءِ. تُجَوِّزُ رَفْعِ الْخَطَإِ، أَيْ حُكْمُهُ: لاَ يَعُمُّ حُكْمَ الإِثْمِ وَالْغُرْمِ مَثَلًا، تَقْلِيلًا لِلإِضْمَارِ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْمَفْهُومِ: هُوَ حُجَّةٌ؛ لِضَرُورَةِ ظُهُورِ فَائِدَةِ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ, وَيَكْفِي فِي الْفَائِدَةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، لِتَوَقُّفِ بَيَانِهَا عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَهْلُ الْمَفْهُومِ، لَكِنَّهُ بَحْثٌ مُتَّجهٌ.
يعني: لا يؤخذ منه مذهب.