هل له جهات متعددة؟ نعم، وهو أنه قد يقع الفعل الذي هو الصلاة يقع فرضًا وقد يقع نفلًا، حينئذٍ لا نحمله على العموم.
قال: {أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ؛ فَإِنَّهَا احْتَمَلَتْ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ} يعني: بقطع النظر عما ورد معه، المراد هنا اللفظ فقط .. مثال، حينئذٍ يحتمل الفرض والنفل.
{بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ أَنَّهَا فَرْضٌ وَنَفْلٌ مَعًا} لأنه فعلٌ وحدثٌ واحد.
حينئذٍ يمتنع بل مستحيل أن يقع فرضًا ونفلًا في وقت واحد.
{فَلا يُمْكِنُ الاِسْتِدْلاَل بِهِ عَلَى جَوَازِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَلاَ يَعُمُّ أَقْسَامَهُ} .
هذا كما ذكرنا كمثال، وإلا قطعًا ليس المراد به الفرض وإنما المراد به النفل.
فحينئذٍ لا يعم أقسامه، ولا يتعين إلا بدليلٍ، وهذا مبنيٌ على أصل نحويٍّ وهو: أن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الإثبات لا تعم.
وقد حكى الزجاجي إجماع النحاة على أن الأفعال نكرات، واحتج بأنها لا تخلو من الفاعلِين. يعني: الوجه الذي ذكرناه سابقًا.
والفعل والفاعل جملة، والجمل نكرات كلها دون استثناء.
قال رحمه الله تعالى: {وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، لا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا} .
كَانَ هذه تدل على الاستمرار كما سيذكره.
قال: {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ} يجمع: هذا فعل {بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ} الظهر والعصر مثلًا، أو المغرب والعشاء.
قوله:"يجمع"إما أن يقع على أنه جمع تقديم، وإما أن يقع على أنه جمع تأخير، هل"يجمع"حينئذٍ يُحمل على المعنيين -يعم النوعين-؟ نقول: لا.
لأن يجمع هذا فعلٌ، والفعل هنا في سياق الإثبات وحينئذٍ لا يعم.
{يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ} . والسفر هذا فعلٌ كذلك، حينئذٍ هل يشمل السفر الطويل والسفر القصير؟ نقول: لا يعم.
{لاَ يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا} يعني: جمع التقديم والتأخير.
{أَيْ وَقْتَ الصَّلاةِ الأُولَى وَوَقْتَ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وُقُوعُهُمَا فِي وَقْتِ الصَّلاةِ الأُولَى، وَيَحْتَمِلُ وُقُوعُهُمَا فِي وَقْتِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ} .
إما جمع تقديم وإما جمع تأخير، وجاء"يجمع"فلا يُحمل على النوعين.
{وَالتَّعْيِينُ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ} نحتاج إلى دليلٍ منفصل فَلا يعُمُّ وَقْتَيْ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ؛ إذْ لَيْسَ فِي نَفْي وُقُوعِ الْفِعْلِ الْمَرْوِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ فِي وَقْتَيْهِمَا.
وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ؛ فَإِنَّ صَلاتَهُ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْحُمْرَةِ، وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْبَيَاضِ، وَلاَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَهُمَا. إلاَّ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ.
فالاحتمالات ثلاثة؛ لأنه جوّزه فيما سبق والاحتمالات ثلاثة. نحتاج إلى دليلٍ منفصل يعين ذلك.