إذًا: وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجمع بين الصلاتين في السفر لا يعم وقتيهما.
والفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة -الذي قبله-: أن لفظة كان تدل عند قومٍ على تكرار الفعل بخلاف ما سبق؛ لأنه ذكر مسألتين هنا: المسألة الأولى: فعله لا يعم، ويجمع بين الصلاتين في السفر لا يعمُّ. ما الفرق بينها؟ هي داخلة فيما سبق، لم يزد على ما سبق إلا لفظ كان.
إذًا: كان لما دخلت على الفعل هل أفادت عموم الفعل؟ الجواب: لا.
يعني: الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة: أن الراوي هنا أدخل لفظ كان وهي تدل على الاستمرار على الفعل، فهل يختلف الحكم بدخول كان أو عدمها؟ قال: لا.
هذا الذي أراده هنا.
والفرق بين هذا والذي قبله: أن لفظة كان تدل على تكرار الفعل، بخلاف مطلق الفعل المثبت -الذي مر في الجملة السابقة-، فلا يلزم من إنكار تعميم الأول تعميم الثاني.
يعني: لو قال قائل بأن الأول لا يعم والثاني يعم؛ لوجود كان.
نقول: لا يلزم؛ لأنه فعلٌ، ولو دخلت عليه كان فلا تدل على العموم.
ولهذا جمع المصنف بينهما.
نعم إن قلنا: إن كان لا يقتضي تكرار الفعل فهو من القسم الذي قبله.
يعني: قوله:"كان"بناء على مذهب المصنف وهو الصحيح: أنها تقتضي تكرار الفعل.
فلو كانت"كان"لا تقتضي التكرار لا فرق بين المسألتين؛ لأنها متعلِّقة بالفعل المثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَلَا) {يَعُمُّ} (كُلَّ سَفَرٍ) {كَسَفَرِ النُّسُكِ} في قوله: يجمع بين الصلاتين في السفر.
هنا عندنا فعلان: فعلٌ هو جمع تقديم أو تأخير، وفعلٌ هو السفر؛ لأن النظر هنا في السفر. السفر هو حكاية فعلٍ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هل يعم أو لا يعم؟
نقول: لا يعم؛ لأنه فعلٌ. ولذلك قال: {وَلا يَعُمُّ كُلُّ سَفَرٍ كَسَفَرِ النُّسُكِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ أَيْضًا} .
ثم قال: (وَ) {لَفْظُ} (كَانَ لِدَوَامِ الْفِعْلِ وَتَكْرَارِهِ فَتُفِيدُ تَكَرُّرَهُ) هذا هو الصحيح: أن كان تدل على التكرار، ولذلك عدّها بعضهم من صيغ العموم.
{وَلَفْظُ كَانَ لِدَوَامِ الْفِعْلِ وَتَكْرَارِهِ، فَتُفِيدُ حينئذٍ تَكَرُّرَهُ} لغة وعرفًا على الصحيح.
{أَيْ تُكَرِّرَ الْفِعْلِ مِنْهُ، أَيْ فِي الدَّوَامِ، كَمَا عُلِمَ تكرر إكْرَامُ الضَّيْفِ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَانَ حَاتِمُ يُكْرِمُ الضَّيْفَ} يعني: كلما جاءه الضيف.
{فَلا يَعُمُّ ذَلِكَ جَمِيعَ جِهَاتِ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ كَمَا لا يَعُمُّ مِنْ حَيْثِيَّةِ غَيْرِ الْوَقْتِ} .
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!