إذًا: {قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا} هذا هو القول الثاني: أنه يشمل الأمة لكن بالحكم لا باللفظ، ونحتاج إلى دليل إما مطلقًا وإما دليلٌ خاص لكل نازلة أو لكل حكمٍ.
قالوا: {وَحينئذٍ فَشُمُولُ الْحُكْمِ لَهُ بِذَلِكَ لا بِاللَّفْظِ} والصواب أنه باللفظ؛ {لأِنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي أَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لاَ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ} نعم، وليس بحثنا في اللغة وإنما بحثنا في الشرع: هل إذا قال الله تعالى: يا أيها النبي. يشمل الأمة أو لا؟
حينئذٍ محل بحثنا في الشرعيات لا في اللغويات.
{وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ بِقَوْله تَعَالَى: (( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ) )} فلو كان خاصًا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما فائدة (( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ) )؟ لا فائدة منها.
قال: {فَعَلَّلَ الإِبَاحَةَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ أُمَّتِهِ، وَلَوْ اخْتَصَّ بِهِ الْحُكْمُ لَمَا كَانَ عِلَّةً لِذَلِكَ} .
إذًا: لا نحتاج أن يأتي نصٌ لنفي الحرج عن الأمة، دل على أن ما حُكِم به على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو خُوطب به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو عامٌ له ولأمته.
{وَأَيْضًا قَولُه تَعالى: (( خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) )} التخصيص يدل على العموم، هذا النص والنص السابق تؤيد به ما رجّحناه سابقًا في باب الفعل؛ لأن الحكم هنا (( خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) )ليس خاصًا بالقول فحسب لا، بل هو شامل في كل ما يكون من شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بُعث لبيان الشرعيات، ثم البيان قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل، فالأصل فيه التأسي (( خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) )لو لم يأتِ هذا النص فالأصل فيه التأسي.
{وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُخْتَصًّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّخْصِيصِ} وهذا واضحٌ بيّن.
قال: {وَأَيْضًا مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ} يعني الفجر {وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ؟ أَفَأَصُومُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } .
يعني: أجابه بالفعل، فدل على أن الفعل تشريعٌ مطلقًا، وهذا دليلٌ تجعله مع القاعدة السابقة: أن الأصل في أفعال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التشريع والتأسي والاقتداء به، فحينئذٍ ما يقوله أكثر الأصوليين مخالفٌ لهذه النصوص الشرعية الواضحة البيّنة.
وليت هناك من يتبنى فيجمع هذه النصوص ليبين الحكم الشرعي بأدلته.
قال: فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: .
فَدَلَّ الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهَيْنِ.