حينئذٍ قال: {نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( إنَّ الأَبْرَارَ ) )} يعني: كل بارٍ { (( لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ ) )} كل فاجرٍ { (( لَفِي جَحِيمٍ ) )} هذا يعم .. على أصله، وكونه يتضمن مدحًا أو ذمًا نقول: هذا لا يضر عمومه بل هو باقٍ على عمومه.
{وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) )} المراد به مدح قوم وذم آخرين. يعني: (( وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) )هذا تضمَّن مدحًا وذمًا، من لا يكنز الذهب والفضة ممدوح، والذي يكنز هذا مذموم، هل المدح والذم يتسلط على الذهب فلا يعم أو الفضة فلا يعم؟ الجواب: لا. المدح شيء واللفظ شيءٌ آخر فيبقى على عمومه.
{وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) )} هذا مدحٌ وهو عامٌ.
قال: (لاَ يَمْنَعُ عُمُومَهُ) فهو عامٌ نظرًا للفظ -لذات اللفظ- ولا تنافي بين قصد العموم والذم أو المدح.
{أَيْ لا يُغَيَّرُ عُمُومُهُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ؛ إذْ لا تَنَافِيَ بَيْنَ قَصْدِ الْعُمُومِ، وَبَيْنَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، فَيَحْمِلُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ عَلَى الْعُمُومِ} . على أصله، وكون الباري جل وعلا قسّم الناس ممن يملك الذهب والفضة إلى قسمين: من يكنز ومن لا يكنز، وذَمَّ الأول ومَدَح الثاني. لا تأثير له في أنواع الذهب ولا في أنواع الفضة.
قال: فيُحملُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وغيرهما عَلَى الْعُمُومِ؛ إذْ لا صَارِفَ لَهُ عَنْهُ.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْعُمُومَ؛ لِوُرُودِ ذَلِكَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يَعُمَّ.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعُمُومَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ مُنَافَاةَ لا منافاة بينهما.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيهِ تَفْصِيلٍ.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ إنْ عَارَضَهُ عَامٌّ آخَرُ وليس بحثنا في هذا، بحثنا في الدليل عند عدم المعارضة، وأما إذا جاءت المعارضة فعندنا قواعد للترجيح.
فالأصل في مثل هذا ألا يقال قولٌ بالتفصيل؛ لأن البحث في القواعد عند عدم المعارضة، وأما إذا جاءت المعارَضة فعندنا قواعد تسمى قواعد التعارض والترجيح، والذي ذكره لا يُنازِع فيه أحد إلا ابن حزم رحمه الله تعالى.
قال: {أَنَّهُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ إنْ عَارَضَهُ عَامٌّ آخَرُ لاَ يُقْصَدُ بِهِ الْمَدْحَ أَوْ الذَّمَّ} .
حينئذٍ يرد السؤال: أيهما أقوى: عامٌ جُرِّد للعموم ولم يُقصد به المدح والذم، وعامٌ لم يجرد للعموم وقُصد به المدح والذم .. عند التعارض وعدم إمكان الجمع بالكلية. أيهما أخلص في العموم؟