قال: والواحد لا يجوز تخصيصه لأن التخصيص إخراج بعضٍ من كلٍ، ولا يُعقل ذلك في الواحد. وهذا الذي عناه بقوله: {وَدَخَلَ مَا عُمُومُهُ بِاللَّفْظِ كَـ (( اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) )قُصِرَ بِالدَّلِيلِ عَلَى غَيْرِ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عُصِمَ بِأَمَانٍ، وَمَا عُمُومُهُ بِالْمَعْنَى، كَقَصْرِ عِلَّةِ الرِّبَا فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَثَلًا. بِأَنَّهُ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ عَلَى غَيْرِ الْعَرَايَا} .
إذًا: قد يكون ما يدخله التخصيص لفظًا، وقد يكون غير لفظ، ومثّل المصنف هنا بتخصيص العلة لأنها ليست بلفظ وإنما هي معنى، فحينئذٍ تكون قابلة للتخصيص، لكن يرد ما مر معنا: هل ما عدا اللفظ يوصف بكونه عامًا أو لا؟ على الخلاف السابق.
قال: {وَالْمُرَادُ مِنْ قَصْرِ الْعَامِّ: قَصْرُ حُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْعَامِّ بَاقِيًا عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ لَفْظًا لا حُكْمًا} كما مر معنا أن العام إنما يُنزَّل حكمُه على جميع الأفراد، فهو مدلوله كلية، والمراد بكونه مدلوله كلية: أن كل فردٍ من أفراد اللفظ العام يتبعه الحكم على حِدَة. بمعنى أنه: (( اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) )كل فردٍ من أفراد المشركين يلحقه الحكم دون ما سواه، هذا المراد بكونه كلي.
إذا قُصِر العام على بعض أفراده هل اللفظ خرج عن مدلوله اللغوي تلك الأفراد التي خرجت عن الحكم؟ الجواب: لا. كما مر معنا في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أُريد به الخصوص.
نقول هنا: العام المخصوص -وهو الذي معنا- أنه قُصر على بعض أفراده، كيف قُصر على بعض أفراده؟ نقول: بالنظر إلى الحكم، بمعنى: أن بعض أفراد اللفظ العام لا يلحقه الحكم، هل معنى ذلك أن اللفظ لا يدل على تلك الأفراد؟
نقول: لا. يدل على تلك الأفراد من جهة عموم اللفظ قبل تنزيل الحكم على جميع الأفراد، فالمشركون مثلًا يشمل كل مشرك، لكن إذا قال: اقتلوا المشركين، وجاء دليل يخص الذمي مثلًا، فحينئذٍ نقول: المشركين هذا يعم الذمي ولا شك في ذلك، وإنما الذي حصل فيه القصر هو من جهة الحكم فقط، هو الذي لا يشمل بعض الأفراد، وأما اللفظ فهو يشمل الأفراد لغة من كل وجه.
ولذلك قال: {وَالْمُرَادُ مِنْ قَصْرِ الْعَامِّ: قَصْرُ حُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْعَامِّ بَاقِيًا عَلَى عُمُومِهِ} ولم يقل أحدٌ بأن الأفراد الخارجة بالدليل المخصِّص بأن اللفظ لا يدل عليه لا، يدل عليه، بل يدل على الباقي كذلك من جهة الحقيقة لا من جهة المجاز كما مر معنا.
{لَكِنْ لَفْظًا لاَ حُكْمًا. فَبِذَلِكَ يَخْرُجُ إِطْلاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ, فَإِنَّ ذَلِكَ قَصْرُ إِرَادَةِ لَفْظِ الْعَامِّ، لاَ قَصْرُ حُكْمِهِ} .
فحينئذٍ أُريد ابتداء بعض أفراده، ولم يُرد به ابتداء جميع الأفراد (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ) ) [آل عمران:173] ابتداء أريد به شخصٌ معيّن، لم يُرَد به جميع الأفراد ثم احتجنا إلى ما يخصِّص اللفظ عن سائر أفراده.
وَقَدْ وَرَدَ عَلَى تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بِدَلِيلٍ عَامٍّ، لاَ قَصْرُ الْعَامِّ بِدَلِيلِهِ.