وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَرْفِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ بِحَسَبِ الاِسْتِعْمَالِ، فَإِنْ نَصَبَ مَا بَعْدَهُ كَانَ فِعْلًا، وَإِنْ جرَّ مَا بَعْدَهُ كَانَ حَرْفًا، وَهُوَ خَلاَ بِالاتِّفَاقِ، وَعَدَا عِنْدَ غَيْر سِيبَوَيْهِ.
لكن هذا عند عدم دخول ما المصدرية، وأما إذا دخلت ما المصدرية فحينئذٍ يتعين النصب بها.
{وَمِنْهَا: مَا هُوَ اسْمٌ، وَهُوَ غَيْرُ وَسِوَى وَيُقَالُ فِيهِ سُوَى بِضَمِّ السِّينِ} كهُدى وسِواء وسَواء.
سِواء كبناء، وسَواء كسَماء يعني: بفتح السين مع المد، وبكسرها. سواءٌ قلنا هو ظرفٌ أو يتصرف تصرف الأسماء.
إذًا: (إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ لُغَةً بِإِلَّا أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا)
والمصنف هنا جرى على ما اشتهر عند كثير من الأصوليين والنحاة: أن الاستثناء لا بد فيه من الإخراج، والصواب أن الاستثناء لا يُشترط فيه الإخراج.
فلما عرّفوا الاستثناء بأنه الإخراج جاءت مشاكل كثيرة في المسائل الآتية.
والأصح أن يقال فيه ما عرّفه الغزالي وتبعه ابن قدامة في الروضة: بأنه قولٌ ذو صيغ مخصوصة محصورة دالٌ على أن المذكور فيه لم يُرد بالقول الأول.
قولٌ ذو صيغ مخصوصة محصورة يعني: بإلا وإحدى أخواتها، وبعضهم عبّر بذلك.
دالٌ هذا القول على أن المذكور فيه لم يُرد بالقول الأول.
بناء على الصحيح وهو مذهب سيبويه وجمهور البصريين أن المستثنى خارجٌ عن المستثنى منه وعن حكمهِ.
فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، هنا: معقولية الاستثناء سيذكرها المصنف، لكن نقدم مقدمة.
إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا. قام تصورت معنى القيام، والقوم تصورت معنى القوم، إلا إخراجٌ، زيدًا مستثنى.
حينئذٍ على الكلام بأن الإخراج يكون من المستثنى منه، متى يكون من المستثنى منه؟ قبل الإسناد يعني: التركيب .. الجملة المفيدة، أو بعد الإسناد؟
على كلامهم أنه بعد الإسناد، ولذلك وقع الإشكال: كيف يُحكم عليه بكونه دخل ثم خرج؟ يعني: إن قلنا إخراج ما لولاه لدخل. قام القوم شمل زيد، فأَثبتَّ له القيام، إلا زيدًا نفيت عنه القيام.
فزيد أثبت له القيام قبل إلا ثم نفيت عنه القيام بعد إلا، كيف هذا يحصل؟ قال: هذا تناقض.
عليه نقول الصواب: أن المستثنى الذي هو زيد لم يدخل في المستثنى منه القوم، فالمتكلم لما قال: القوم ابتداء بنيَّته أخرج زيدًا، ثم لما أسند قام إلى القوم صار الحكم ليس شاملًا لزيد، فحصل الإخراج قبل الإسناد. ثم جاء بإلا زيدًا.
فقول الغزالي: قولٌ يعني: الذي هو إلا، دالٌ على أن المذكور فيه وهو زيدًا، لم يُرد بالقول الأول.
فالاستثناء حينئذٍ"إلا"هنا ليست مخرجة، وإنما هي مبيِّنة أنَّ زيد لم يدخل في القول السابق؛ لأنك لو قلت: قام القوم وهِم السامع أن زيد داخل، حينئذٍ لا بد من قرينة تدل على أن هذا اللفظ لم يشمل هذا الفرد، فحينئذٍ قلت: إلا زيدًا.
فإلا زيدًا لم يحصل بها إخراج، وإنما حصل بها الدلالة على أن المذكور معه الذي هو زيد لم يُرد بالقول الأول.