{عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ دِرْهَمًا. بَلْ أَبْلَغُ، لأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ الْعَامِّ فِيهِ وَالْعَامُّ: فِيهِ الْخِلافُ السَّابِقُ، وَذَلِكَ} يعني: التعليل السابق .. الإدخال والإخراج {يُؤَدِّي إلَى نَفْيِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ} .
إجماعٌ مُدَّعى موهوم، ثم إذا طبقناه وأدركنا معقوليته ينبني عليه: نفي الاستثناء من كلام العرب. لماذا؟ {لأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَلَكِنْ قَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، فَتَكُونَ إلاَّ قَرِينَةً بَيَّنَتْ أَنَّ الْكُلَّ اُسْتُعْمِلَ، وَأُرِيدَ بِهِ} البعض.
إذًا: بنا على مقدمتين:
أولًا: أن الاستثناء إخراج، وادعى عليه إجماع أهل العربية.
نقول: أولًا: الاستثناء ليس بإخراج، وإنما هو قولٌ متصلٌ .. إلى آخره.
ثانيًا: لم يُجمع أهل العربية على أن الاستثناء إخراج.
ثم: ما ورد من التعارض هو فرعٌ عن هذا الأصل، فإذا قلنا بأن الاستثناء ليس بإخراج لا يرِد عندنا إشكال، وإنما أطلق العشرة وأراد بها السبعة وجاء بإلا قرينة تدل على ذلك، فلم تدخل الثلاثة حتى نحتاج إلى إخراجها.
قال: {لأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ} إما الأول وإما الثاني.
يعني: إما قبل إلا هو الكذب"قام القومُ"أَثبتَ القيام لزيد، أو قوله:"إلا زيدًا"يعني: نفى القيام عن زيد. أحدهما كاذب؛ لأنه أثبت أولًا ونفى ثانيًا.
{وقَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ} إذًا: عندنا خلل.
وَلَكِنْ قَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، فَتَكُونَ إِلاَّ قَرِينَةً بَيَّنَتْ أَنَّ الْكُلَّ اُسْتُعْمِلَ، وَأُرِيدَ بِهِ الْجُزْءَ مَجَازًا.
وَعَلَى هَذَا: فَالاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنٌ لِغَرَضِ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، كَانَ ظَاهِرًا يعني: في الجميع {وَيَحْتَمِلُ إرَادَةَ بَعْضِهَا مَجَازًا، فَإِذَا قَالَ: إلاَّ ثَلاثَةً، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَشَرَةِ سَبْعَةٌ فَقَطْ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُخَصِّصَاتِ} .
وهذه الجملة الأخيرة حقٌ، لكن مبناها على عدم القول بالإخراج.
فحينئذٍ جعل إلا ونحوها جعلها مبيِّنة وهو كذلك.
فحينئذٍ أطلق العشرة ولم يرد الثلاثة الزائدة على السبعة، وإنما أراد بها السبعة .. أطلق الكل وأراد به الجزء.
لئلا يهم السامع بأنه أراد تمام العشرة جاء بإلا، فقال: عشرةٌ إلا ثلاثة. حينئذٍ إلا ثلاثة قرينة تدل على أن عشرة لم يُرد بها تمام العشرة.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الاِسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ، كَالتَّخْصِيصِ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ, وَفِي التَّمْهِيدِ: مَا لَوْلاَهُ لَدَخَلَ فِي اللَّفْظِ كَالتَّخْصِيصِ، وَمُرَادُهُ الأَوَّلُ} .
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!