فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ: أَنَّ إلاَّ قَرِينَةٌ مُخَصِّصَةٌ.
يعني: قرينة تبيّن أن الكل استُعمل وأُريد الجزءُ مجازًا {عَلَى هَذَا: فَالاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنٌ لِغَرَضِ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ} لأنه إذا قال: عشرةٌ إلا ثلاثة. هو ليس كقوله فيما سبق: قام القوم إلا زيدًا؛ لأنه لم يكن عندنا هنا إلا سبعة، لماذا عبّر بهذا التعبير؟
هو أراد أن يعبّر عن السبعة فعبّر بهذا التركيب: عشرةٌ إلا ثلاثة.
إذًا: تكون قرينة مخصِّصة إذا جعلنا الاستثناء مبيِّنًا، فحينئذٍ كأنه أراد السبعة ابتداء، وعبّر بعشرة إلا ثلاثة. هكذا قيل.
{وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ} يعني: سبب الخلاف هنا في هذا التركيب: عشرةٌ إلا ثلاثة ما ذكرناه سابقًا -هو أخّره- {فِي مَعْقُولِيَّةِ الاسْتِثْنَاءِ} يعني: ماذا نعقل وماذا نفهم من الاستثناء.
{فَإِنَّك إذَا قُلْتَ: قَامَ الْقَوْمُ إلاَّ زَيْدًا, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ دَخَلَ فِيهِمْ، فَكَيْفَ أُخْرِجَ؟} هذه المشكلة.
{إِذَا قُلْتَ: قَامَ الْقَوْمُ إلاَّ زَيْدًا, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ دَخَلَ فِيهِمْ} لم يُرد بالقوم زيدٌ {فَكَيْفَ أُخْرِجَ} ؟ يعني: كيف يتحقق الاستثناء والاستثناء إخراج؟
هنا جاء الإشكال، حملنا الاستثناء وفسَّرناه بالإخراج، فقلنا:"قَامَ الْقَوْمُ"القومُ لم يشمل زيد، فكيف أُخرِجَ؟ جاءت المشكلة هنا.
قال: {هَذَا وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجٌ} لا، لم يتفق أهل العربية على أنه إخراج.
ولذلك مذهب سيبويه وجمهور البصريين على أن المستثنى خارجٌ من المستثنى منه وحكمِه، لم يدخل لا في المستثنى ولا في الحكم، فكيف يُدّعى بأن اتفاق أهل العربية على أن الاستثناء إخراج؟ لا، ليس بإخراج.
إن كان مراده إخراج قبل التركيب. هذا لا بحث لنا فيه يعني: قبل أن يقول: قام القومُ نوى أن زيد لم يدخل. هذا إخراج ولا إشكال فيه، لكن هل هو المراد بالإخراج؟ إن كان مرادهم، نعم نقول: الاستثناء إخراج، لكن الاستثناء إخراج متى؟ قبل التركيب .. قبل أن يلفظ بـ: قام القوم، فينوي إخراج زيد من القوم، ثم يُركِّب قام معه، ثم يأتي بالاستثناء.
هذا فيه إخراج ولا شك، لكن ليس هذا مرادهم، مرادهم حصَل التركيب .. أسندت قام إلى القوم، فقلت:"قام القوم"جملة فعلية، ثم قلت: إلا زيدًا. دخل ثم خرج، جاءت المشكلة هنا.
قال: {وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجٌ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ، فَقَدْ تَنَاقَضَ أَوَّلُ الْكَلامِ وَآخِرُهُ} .
نعم، أَثبتَّ له القيام:"قام القوم"ومنهم زيد، ثم قلتَ: إلا زيدًا. وما بعد إلا يأخذ نقيض حكم ما سبق، فقد نفيت عنه القيام.
{وَكَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلاَّ دِرْهَمًا} يعني: كيف أقر بالعشرة ومنها ثلاثة ثم أخرجها؟ هنا جاء الإشكال، ولذلك وقع الخلاف بينهم.