وإذا كان كذلك فحينئذٍ"قام القومُ"لو لم ينو إلا زيدًا -يعني: يستثني زيد- لم يصح له الاستثناء؛ لأنه تجاوز اللفظ وهو القوم ولم ينو إخراج زيد، فإذا قال: إلا زيدًا لما صح له. وهذا ليس بصحيح، بل الصواب أنه متى ما استثنى .. ذكر اللفظ حينئذٍ نقول: هذا لا إشكال فيه.
وعليه أنه في الإقرار لو قال: له عليَّ مائة ثم استدرك في نفسه قال: إلا خمسين جاز، وإذا شرطنا النية من أول الكلام ما جاز له ذلك .. لما صح الإخراج.
والصواب أنه يصح مطلقًا ولا دليل على اشتراط النية البتة هنا.
قال: ثُمَّ قِيلَ: يُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْكَلامِ.
وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِوُجُودِهَا قَبْلَ فَرَاغِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عند المصنف.
إذًا: هل من شرط الاستثناء النية؟ نقول: الصواب أنه لا يُشترط، متى ما أتى بالمستثنى منه وإلا والاستثناء كفى، نوى أو لم ينوِ ليس لنا في ذلك اعتبار.
(وَنُطْقٌ بِهِ) يعني: أن ينطق به.
(إلَّا فِي يَمِينِ مَظْلُومٍ خَائِفٍ بِنُطْقِهِ) .
يعني: إذا نوى المستثنى يلزمه النطق، لكن هذا متى يلزمه؟
يلزمه فيما يترتب عليه حكمٌ يعني: عند القاضي ونحوه .. في الإقرارات، وفي الطلاق ونحوه، أما ما لا يترتب عليه فلا يلزمه النطق به، لو قال: قام القوم ولم ينو بقلبه زيد. لا يلزمه الاستثناء، إلا إذا كان مخاطبًا غيره أو شيءٌ من ذلك.
قال: {وَشُرِطَ أَيْضًا لِلاِسْتِثْنَاءِ (نُطْقٌ بِهِ) أَيْ: بِالْمُسْتَثْنَى} قال: (إلاَّ فِي يَمِينِ مَظْلُومٍ خَائِفٍ بِنُطْقِهِ) يعني: خشي أن ينطق، فاستثنى الإمام أحمد أنه يجوز له عدم النطق.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْفُرُوعِ: وَيُعْتَبَرُ نُطْقُهُ إلاَّ مِنْ مَظْلُومٍ خَائِفٍ} .
حينئذٍ له ألا يستثني نطقًا لكنه يستثني بقلبه.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُسْتَوْعَبِ خَائِفٍ، وَالأَصْحَابُ عَلَى الأَوَّلِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مَظْلُومًا فَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ رَجَوْتُ أَنْ يَجُوزَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ, فَهَذَا فِي حَقِّ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، أَوْ لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ. انْتَهَى.
حينئذٍ قوله: (وَنُطْقٌ بِهِ) يعني: يُشترط أن ينطق بالمستثنى.
نقول: يُشترط متى؟ إذا ترتبت عليه حقوق الآخرين، وإذا لم يكن كذلك فلا يلزمه.
فإن ترتبت عليه حقوق الآخرين وكان فيه ظلمٌ عليه فلا ينطق.
(لاَ تَأْخِيرُهُ) {يَعْنِي أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الاسْتِثْنَاءِ تَأْخِيرُ الْمُسْتَثْنَى عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي اللَّفْظِ} .
يعني: يجوز أن يتقدم: قام إلا زيدًا القومُ. إذًا: لا يُشترط التأخير وإنما يُشترط النية والنطق على كلام المصنف.