قال: {وَكَذَلِكَ لَمَّا أَرْشَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِقَوْلِهِ: (( وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ) )جَعَلَ طَرِيقَ بِرِّهِ ذَلِكَ} . الذي هو الفعل.
{وَفِي تَارِيخِ بَغْدَادَ لابْنِ النَّجَّارِ: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ} صاحب اللمع أَرَادَ الْخُرُوجَ مَرَّةً مِنْ بَغْدَادَ، فَاجْتَازَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، وَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَى رَأْسِهِ سَلَّةٌ فِيهَا بَقْلٌ، وَهُوَ يَقُولُ لآخَرَ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَرَاخِي الاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلَوْ صَحَّ لَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (( وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ) )بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: اسْتَثْنِ، وَلا حَاجَةَ إلَى التَّوَسُّلِ إلَى الْبِرِّ بِذَلِكَ.
فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: بَلْدَةٌ فِيهَا رَجُلٌ يَحْمِلُ الْبَقْلَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: لا تَسْتَحِقُّ أَنْ يُخْرَجُ مِنْهَا. وهذا عاميٌ.
{وَمِنْ لَطِيفِ مَا يُحْكَى: أَنَّ الرَّشِيدَ اسْتَدْعَى أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الاسْتِثْنَاءِ؟} يعني: كيف هو؟
{فَقَالَ: يُلْحَقُ عِنْدَهُ بِالْخِطَابِ} يعني: بالكلام {وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِهِ} . هذا لا إشكال فيه؛ لأنه لو لم يتغير الحكم لما كان في أصل المسألة نزاع، فإذا اعترف وقال: له عليّ مائة، ثم جاء بعد شهر قال: إلا خمسين. غيّر الحكم أو لا؟ غيّر الحكم، كانت مائة فصارت خمسين .. نزلت.
قال: {وَلَوْ بَعْدَ زَمَانٍ، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْك أَنْ تُفْتِيَ بِهِ وَلا تُخَالِفْهُ, وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ لَطِيفًا فِيمَا يُورِدُهُ، مُتَأَنِّيًا فِيمَا يَقُولُهُ، فَقَالَ: رَأْيُ ابْنِ عَبَّاسِ يُفْسِدُ عَلَيْك بَيْعَتَك؛ لأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَك وَبَايَعَك يَرْجِعُ إلَى بيته فَيَسْتَثْنِي, فَانْتَبَهَ الرَّشِيدُ، وَقَالَ: إيَّاكَ أَنْ تُعَرِّفَ النَّاسَ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ} .
إذًا: إن ثبت عن ابن عباس فهو مؤول بما ذُكر.
قال رحمه الله تعالى: (وَنِيَّتُهُ) يعني: يشترط في الاستثناء النية.
أَيْ: أَنْ يَنْوِيَ الْمُسْتَثْنِي قَبْلَ تَمَامِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عِنْدَ الإِمَامِ أحمد رحمه الله تعالى وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: اتَّفَقَ الذَّاهِبُونَ إلَى اشْتِرَاطِ اتِّصَالِهِ: أَنْ يَنْوِيَ فِي الْكَلامِ، فَلَوْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ نِيَّةُ الاسْتِثْنَاءِ إلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
وهذا فيه نظر، وإنما العبرة بالكلام، فمتى ما جاء بالمستثنى والمستثنى منه حينئذٍ نقول: نوى أو لم ينوِي لا عبرة به؛ لأن الكلام هنا في الأخذ بقاعدة العرب، وقاعدة العرب: أنه إذا نطق بالعامل ثم جاء بالمستثنى منه، ثم بالمستثنى، حينئذٍ لا ننظر في النية، ومر معنا أن المقاصد غير معتبرة عند أهل العربية، لا يلتفتون إلى المقاصد. وإنما لهم نظرٌ باللفظ نفسه.