{فَمِنْ أَمْثِلَةِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ} يعني: اللفظ عام في كتاب وجاء المخصص بالكتاب كذلك.
{قَوْله تَعَالَى: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) )} المطلقات هذا عامٌ، وجه عمومه أنه جمع مطلقة، ومحلى بأل. حينئذٍ جمعٌ محلى بأل، وكل جمعٍ محلى بأل فهو من صيغ العموم، ولك وجه آخر: أن المطلقة هذا اسم مفعول، وأل الداخلة عليه موصولية، وأل الموصولية تفيد العموم.
إذًا: المطلقات هذا يشمل الحامل وغيرها، والمدخول بها وغيرها. هذا اللفظ من حيث هو.
{فَإِنَّ عُمُومَهُ خُصَّ بِالْحَوَامِلِ} يعني: خرج الحوامل {بقَوْله تَعَالَى: (( وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) )} إذًا: يخصص من المطلقات الحوامل.
{وَخُصَّ أَيْضًا عُمُومُهُ الشَّامِلُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا بقَوْلِهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: (( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) )} .
إذًا: قوله: المطلقات ما عدا الحوامل بالنص، وما عدا غير المدخول بها بالنص. حينئذٍ يكون عامًا مخصوصًا.
{وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله سبحانه: (( وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) )} .
(( وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ) ) {خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) )} . يعني: الحوامل لا تكون عدتها أربعة أشهرٍ وعشرًا، وإنما تكون بالوضع. على خلافٍ في المسألة، المراد هنا المثال.
{وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: (( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) )} المشركات هذا مختلف فيه هل يشمل أهل الكتاب أو لا؟ والصحيح أنه يشمل أهل الكتاب، ابن القيم رحمه الله تعالى رجّح أن أهل الكتاب إنما هم مشركون.
قال: {خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) )} .
هذا مخصِّص لقوله: المشركات، المشركات هذا كالمطلقات .. جمعٌ محلى بأل. وحينئذٍ يكون عامًا.
إذًا: تخصيص الكتاب بالكتاب واقعٌ ولا إشكال فيه.
{وَالْمُخَالِفُ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ} أن الكتاب لا يخصص الكتاب، وإنما الذي يخصص الكتاب هو السنة (( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ) )احتجوا بهذه الآية على أن الذي يبيّن .. ولا شك أن التخصيص تبيين، كما أن تقييد المطلق تبيين فحينئذٍ المخصص يعتبر من المبينات، والذي يبيّن الكتاب هو السنة. هكذا خصصوه.
قال: {وَتَمَسَّكُوا بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِاللَّفْظِ} . وهو كذلك .. نسلّم بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ يعني: لئلا يُفهم العموم منه حينئذٍ يُقصر على بعض أفراده.