قال هنا: (وَعَامٌّ بِمَفْهُومٍ مُطْلَقًا) .
يعني: {يُخَصَّصُ لَفْظٌ عَامٌّ بِمَفْهُومٍ} .
قال: (مُطْلَقًا) ليدخل النوعان: {مَفْهُومُ المُوَافَقَةِ, ومَفْهُومِ المُخَالَفَةِ} .
مفهوم الموافقة يكاد يكون اتفاق، بل حُكي إجماع عليه أنه يكون مخصصًا؛ لأن ثم خلاف فيه: هل هو من دلالة اللفظ -وعليه الأكثر-، أو أنه قياسٌ جلي؟ فيه خلاف.
ولا شك أن من قال بأنه من دلالة اللفظ، حينئذٍ لم يخرج عما سبق؛ لأنه إن كان كتابًا أو سنة فهو بالمنطوق، ومن قال بالقياس فحينئذٍ جاءت المسألة الأخرى الآتي ذكرها.
قال: (وَعَامٌّ) يعني: لفظٌ عام.
يُخص (بِمَفْهُومٍ مُطْلَقًا) {أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَفْهُومُ مُوَافَقَةِ} وهو ما يسمى بالفحوى، سواء قلنا دلالته لفظية أو قياسية، وحُكي الاتفاق على التخصيص به .. أنه محل إجماع.
{أَوْ مَفْهُوم مُخَالَفَةِ} على الأصح. يعني: يخصص به اللفظ العام على الصحيح؛ لأن القاعدة هنا في الباب كله: أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.
يعني: لو جئت للكتاب .. تخصيص الكتاب بالكتاب، من قال أنه يخصَّص حينئذٍ أعمل الدليلين، من قال: لا يُخص يحتاج إلى ترجيح .. أن يقدِّم أحد الدليلين ويلغي الآخر.
حينئذٍ نقول: هذا لم يُعمل الدليلين، القاعدة أنه إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وهذا هو الحجة في جميع الباب من أوله إلى آخره، وهنا كذلك في مفهوم المخالفة وغيره.
{فَمِثَالُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } .
{اللَّيُّ الْمَطْلُ, وَالْمُرَادُ بِحِلِّ عِرْضِهِ: أَنْ يَقُولَ غَرِيمُهُ: ظَلَمَنِي وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ} .
قوله: هذا لفظٌ عام يشمل الأجنبي والقريب ومن القريب الوالدين، حينئذٍ لَيُّ الْوَاجِدِ ولو كان أحد الوالدين أو هما معًا يُحِلُّ عِرْضَهُ يقول: ظلمني إلى آخره، وَعُقُوبَتَهُ يعني: سجنه، أن يرفع فيه إلى الحاكم. والحديث ثابت.
قال: {خُصَّ مِنْهُ الْوَالِدَانِ} . خُص منه -يعني: من الواجد- الوالدان، وهذا بمفهوم الموافقة وهو قَوْله تَعَالَى: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) )المنطوق به لفظ: أُف، والحكم المعلّق عليه التحريم: لا تقل، لا ناهية، وتقل: مجزومٌ بها. فدل على التحريم.
المنطوق دل على تحريم التأفيف، بمفهوم الموافقة أن كل ما كان أولى من التأفيف -يعني: أقوى في الأذى- فهو أولى بالتحريم.
حينئذٍ العقوبة وقوله: ظلمني، وحبسه .. يُعتبر مما حرّمته هذه الآية، لكن من جهة المفهوم. حينئذٍ يُخص قوله: مطل الواجد بغير الوالدين، فيخرج الوالدان بهذا النص.
إذًا: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) )دل على تحريم الأذى بالحبس الذي هو أشد من التأفيف، وهذا لا إشكال فيه وهو محل وفاق. حتى ابن حزم وهو ينكر القياس قال بذلك.
فيُخصَّص عموم الحديث بمفهوم الموافقة في هذه الآية فيمتنع حبس الوالد في دَين ولده.