قال هنا: {فَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لا يُؤْذِيهِمَا بِحَبْسٍ وَلا غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ لا يُحْبَسُ الْوَالِدُ بِدَيْنِ وَلَدِهِ، بَلْ وَلا لَهُ مُطَالَبَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ, وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ} .
إذًا: هذا مثال لتخصيص اللفظ العام بمفهوم الموافقة.
{وَمَحلُّ هَذَا؛ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ, فَأَمَّا إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ} فحينئذٍ دخل في القياس {فَيَكُونُ مُخَصّصًا بِالْقِيَاسِ} .
يعني: النوع الثاني .. الآتي ذكره.
{وَمِثَالُ التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ} أنه يخصص به؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وهو الحجة في التخصيص بمفهوم الموافقة أيضًا، بل في هذا الباب كله.
{قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ} .
هذا الحديث ثابت صحيح، وهو حجة للأئمة الأعلام الذين قالوا بمنطوقه ومفهومه.
هذا له منطوقٌ وله مفهوم، منطوقه أنه ما بلغ القلتين لم يحمل الخبث .. خُص بالإجماع، وهو أنه إذا تغير أحد صفاته بالنجاسة حمل الخبث، حينئذٍ يكون نجسًا. ماذا بقي؟ فمنطوقه مخصوصٌ بما تغير، فخرج عن قوله: .
بقي من حيث المنطوق الفرد الآخر، وهو أنه إذا لم يتغير ووقعت فيه النجاسة حينئذٍ يكون طاهرًا مطلقًا، سواء كان دون القلتين أو فوق القلتين.
هذا {خُصَّ بِمَفْهُومِهِ -وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ- عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } حديث أبي سعيد، وأما هذا الذي ذكره حديث أبي أمامة فيه ضعف الزيادة: {} المراد المثال هنا.
فحينئذٍ قوله: هذا خُص بتخصيصين الأول: ما إذا تغير بالنجاسة مطلقًا سواء كان كثيرًا أم يسيرًا، ما دام أنه تغير بنجاسة فحينئذٍ تعيّن القول بنجاسته.
بقي القليل الذي لم يتغير وهو دون القلتين، دل الحديث بمنطوقه على أنه طاهر، ودل حديث ابن عمر السابق بمفهومه على أنه نجس وإن لم يتغير.
فحينئذٍ نقول: المفهوم مقدّمٌ على المنطوق هنا، يعني: يُخصَّص عموم قوله: بمفهوم حديث ابن عمر. وهذا هو الصحيح والراجح.
ولا نقول أن هنا تعارض منطوقٌ ومفهوم وقُدّم المنطوق مطلقًا لا، وإنما يقال: متى نقدم المنطوق على المفهوم مطلقًا؟ إذا كان كلٌ منهما خاصًا. يعني: المنطوق خاص والمفهوم خاص.