ثم ليس مطلقًا التقديم، عندنا قاعدة: إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، فإذا أمكن الجمع بين المنطوق الخاص والمفهوم الخاص صار الجمع مقدَّمًا، إذا لم يمكن الجمع حينئذٍ قلنا: المنطوق أقوى من المفهوم، أما ابتداء هكذا نقول: لا. ليس الأمر كذلك. هو قيل به لكنه على قلة.
لأن المنطوق وإن كان قويًا فهو كشأن الفعل مع القول، وكشأن الآحاد مع المتواتر، وكشأن السنة كلها المتواترة والآحاد مع القرآن .. لا شك أنها ليست متساوية في القوة ولا في الدلالة، ومع ذلك نقول: إعمال الدليلين ما دام أنه ثبت شرعًا أنه تثبت به الأحكام الشرعية، فلا بد من النظر فيه من جهتين:
من جهة انفراده فتثبت به الأحكام الشرعية، ومفهوم الموافقة والمخالفة تثبت به الأحكام الشرعية عند عدم المعارضة، ثم إذا عارضه شيءٌ آخر أو هو عارض منطوقًا عامًا أو نحو ذلك، فحينئذٍ ننظر فيه بما يكون الترجيح بين المنطوق والمنطوق، كذلك المفهوم والمفهوم، كذلك المنطوق والمفهوم. ولا نقول: هذا منطوقٌ مقدمًا مطلقًا على المفهوم، فإن هذا خطأ.
إنما يُنظر فيه من جهة العموم والخصوص.
هنا مفهوم حديث ابن عمر خاص، ومنطوق حديث أبي أمامة الذي ذكره هنا منطوقه عام، حينئذٍ نقول: العام والخاص إذا تعارضا في باب المنطوقات نقدم الخاص على العام. يعني: نخصص العام بالخاص.
كذلك في المفهوم -مفهوم المخالفة- مع المنطوق، لماذا لا نُعمل ما ثبت به عند عدم انفراده وهو الاحتجاج به، ثم إذا عارضه آخر نقول: لا نحتج به؟ هذا فيه عدولٌ عن الأصل.
فإما أنه يُعامل معاملة النصوص مطلقًا؛ لأنه عند الانفراد يحتج به عند عدم المعارضة، وعند المعارضة كذلك هو كغيره من الأدلة. فيُنظر في الجمع ويُنظر في الترجيح إلى آخره.
قال هنا: {خُصَّ بِمَفْهُومِهِ -وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ- عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا يَصِيرُ تَنْجِيسُ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ مَخْصُوصًا بِالتَّغْيِيرِ بِالنَّجَاسَةِ} بالإجماع.
{وَيَبْقَى مَا دُونَهُمَا يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلاقَاةِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ} .
إذًا: الماء القليل إن وقعت فيه نجاسة تغير بمجرد وقوع النجاسة، ولا نشترط التغير. هذا هو الصحيح وهو المعتمد عند الأئمة الثلاثة.
{وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ, فَقَالُوا: لا يُخَصُّ الْعُمُومُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ} .
لأن ما دل عليه العام دل عليه بالمنطوق، والمخالفة مفهوم والمنطوق مقدمٌ على المفهوم، وهذا هوا الحجة السابقة.
وأُجيب بأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وتجيب كذلك بأن المفهوم -مفهوم المخالفة- حجة شرعية تثبت بها الأحكام الشرعية عند عدم التعارض، فإذا عورض حينئذٍ هو بمنزلة دليلٍ مستقل، يُنظر إليه بنظر العام في التعارض.
قال: (وَبِإِجْمَاعٍ وَالْمُرَادُ دَلِيلُهُ) .
يعني: اللفظ العام يُخص بالإجماع.