(وَإِنْ ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِيهِ) {أَيْ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ} الذي قلنا بأنه خاص. يعني: كأنه يقول لك: الفعل الذي يقع مخصِّصًا على نوعين: الحالة الأولى: ألا يدل الدليل على وجوب اتباعه فيه، وهي التي سبقت. وحينئذٍ يُعتبر مخصِّصًا كقوله: (( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ ) )عامٌ للأمة ويشمله، وجاء مباشرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير الجماع فصار مخصصًا.
هنا يقول: (وَإِنْ ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ) على الأمة.
(فِيهِ) أي: في ذلك الفعل.
(بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فَالدَّلِيلُ نَاسِخٌ لِلْعَامِّ) .
{وَقَدْ مَثَّلَ لِذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا} في حديث أبي أيوب: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا، {ثُمَّ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ} كما في حديث ابن عمر.
حينئذٍ عندنا نصان.
قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. هذا يشمل البنيان وغير البنيان.
{ثُمَّ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ} . هذا الفعل الثاني وجب علينا اتباعه بدليلٍ منفصل على ما ذكره المصنف هنا، فحينئذٍ قال: هذا الثاني يعتبر ناسخًا للأول؛ لأن هذه الصورة تختلف عن الصورة السابقة، هنا المخصِّص الذي ظاهره أنه جلس مستقبل بيت المقدس هذا يعتبر مخصِّصًا لحديث أبي أيوب، لكن لما دل دليلٌ منفصلٌ على وجوب اتباعه فيه؛ إذ لا فرق بينهما، فحينئذٍ جُعل الثاني مخصصًا للأول.
وهذا مشى عليه كثيرٌ من الفقهاء.
{فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِلصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ، فَيَحْرُمَ فِيهِمَا. وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، وَيَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصَّ بِذَلِكَ} يعني: يكون من خصائصه عليه الصلاة والسلام وَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ, فَالتَّخْصِيصُ لِلْبُنْيَانِ مِنْ الْعُمُومِ سَوَاءٌ هُوَ وَالأَمَةُ فِي ذَلِكَ.
وهذا لا يزيد على القاعدة التي ذكرها رحمه الله تعالى، والصواب أن يقال في هذا: أن النص عام -حديث أبي أيوب-، وهو عامٌ في البنيان وفي الصحراء، وجاء فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستويًا مع ما سبق يعني: مستدبر الكعبة، ولم نجد فارقًا بين الأمرين إلا أن أحدهما يشمل البنيان والصحراء، والآخر إنما تقيد بالبنيان، وهذا الذي فهمه ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فيكون مؤيدًا إلى أن الفرق بين النصين أن ما كان في البنيان سواء كان مستقبلًا أو مستدبرًا يكون مخصوصًا من النص السابق.
ويُحمل حديث أبي أيوب على ما إذا كان في الصحراء، وأما إذا كان في البنيان فحينئذٍ لا يكون كذلك. وهو الصحيح.
وأما ما ذكره المصنف فهو مذهب الشوكاني وغيره مما إذا تعارض القول والفعل جُعل الفعل خاصًا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقول للأمة، هكذا في نيل الأوطار من أوله إلى آخره. جرى على هذه القاعدة.