كلما تعارض عنده قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع فعله، قال: القول للأمة والفعل خاصٌ بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هذا غلط، بل الصواب أنه متى ما أمكن الجمع، ولا فرق هنا من التخصيص والتقييد من كونه قولًا أو فعلًا، لا نقول: القول أقوى من الفعل لا، وإنما نقول: متى ما أمكن الجمع فحينئذٍ إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
قال هنا: (وَإِنْ ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ فِيهِ) {فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ} (بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فَالدَّلِيلُ نَاسِخٌ لِلْعَامِّ) لكن المثالين الذي ذكرهما المصنف هنا لا تجري على هذا الأصل.
{فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِلصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ، فَيَحْرُمَ فِيهِمَا. وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، وَيَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خُصَّ بِذَلِكَ وَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ. فَالتَّخْصِيصُ لِلْبُنْيَانِ مِنْ الْعُمُومِ سَوَاءٌ هُوَ وَالأَمَةُ فِي ذَلِكَ} .
هذا يُنظر ويُتأمل في مثاله لهذه القاعدة.
قال: (وَبِإِقْرَارِهِ) .
يعني: الإقرار سبق أنه دليلٌ شرعي .. تثبت به الأحكام الشرعية.
إذًا: لو جاء لفظٌ عام وأقر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فردٍ خاصٍ يخالف ذلك العام، نجعل هذا الإقرار دليلًا صارفًا أو مخصصًا لذلك العام؛ لأنه تثبت به الأحكام الشرعية عند الانفراد وكذلك عند التعارض.
(وَبِإِقْرَارِهِ) يعني: {يُخَصُّ الْعَامُّ أَيْضًا بِإِقْرَارِهِ أَيْ: إقْرَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
(عَلَى فِعْلٍ) .
يعني: تقريره واحدًا من أمته على خلاف مقتضى العموم، يعتبر تخصيصًا لذلك العموم في حق ذلك الواحد، وغيره هل يشمله الحكم؟ نعم؛ لأنا نقول: خطاب الواحد للأمة خطابٌ للجميع. على القاعدة السابقة.
فما به قد خُوطب بعض الصحابة فهو خطابٌ للجميع، كذلك إذا أقر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فعلٍ خاص كان معارضًا لعام، حينئذٍ هذا الشخص الذي أقره خرج من العام ولا إشكال فيه، وقد نقول بأن خروجه قطعي هنا، لكن كون غيره مثله هذا يحتاج إلى نص.
نقول: ليس عندنا نص ولكن عندنا قاعدة وهي: أن ما كان حكمًا لواحدٍ من الأمة فهو حكمٌ لسائر الأمة.
قال: (وَبِإِقْرَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلٍ) {عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ} .
(وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ نَسْخِهِ مُطْلَقًا، أَوْ عَنْ فَاعِلِهِ) .
رد هذا على الحنفية، الحنفية يرون أنه نسخ.
يعني: (وَهُوَ) القول بالتخصيص بإقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرب من القول بنسخه؛ لأن النسخ: رفعٌ للحكم كله، ثم التخصيص: قصر العام على بعض أفراده، فالحكم باقٍ.
ثم النسخ إلغاء أحد الدليلين، والتخصيص هذا إعمالٌ لأحد الدليلين
(وَهُوَ) {أَيْ: التَّخْصِيصُ} .
(أَقْرَبُ مِنْ نَسْخِهِ) يعني القول بهذه المسألة.
(أَقْرَبُ مِنْ نَسْخِهِ) {أَيْ: نَسْخِ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْعَامُّ نَسْخًا مُطْلَقًا، أَوْ نَسْخًا عَنْ فَاعِلِهِ} .