فهرس الكتاب

الصفحة 1209 من 1890

{وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا: قَوْله سبحانه وتَعَالَى: (( إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) )فَذِكْرُهُ بَعْدَهُ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلأَوَّلِ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، بَلْ اهْتِمَامًا بِهَذَا النَّوْعِ، فَإِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنها إذَا اهْتَمَّتْ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَامِّ خَصَّصَتْهُ بِالذِّكْرِ} .

القرآن نزل بلغة العرب، وكذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم بلغة العرب.

{إبْعَادًا لَهُ عَنْ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِذَلِكَ النَّوْعِ} .

يعني: إيتاء ذي القربى يدخل في الإحسان، الإحسان عام يشمل القربى وغيرهم، لماذا نص عليه؟ من باب التأكيد أن هذا الفرد أحق بالإحسان من غيره.

{وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: (( وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) )} وهو المثال الذي ذكره السيوطي في عقود الجمان.

{وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: (( فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) )لأَنَّ فَاكِهَةً مُطْلَقٌ} .

لكن لو جعلناه أنه من العام .. نكرة في سياق الامتنان فتعم فيكون من هذا الباب.

ثم قال: (وَلَا تَخُصُّ عَادَةٌ عُمُومًا، وَلَا تُقَيِّدُ مُطْلَقًا) .

العادة المراد بها: العرف، هل العرف دليل شرعي؟ نقول: نعم دليل شرعي لكن بضوابط، ليس مطلقًا.

حينئذٍ العرف والعادة هل يصح أن يكون مخصصًا للفظ العام أو لا؟ هذا محل نزاع عند الأصوليين.

قاعدة: أن العادة لا تخصص نصوص الشريعة، إلا إذا كانت مقارنة لها في الوجود يعني: في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جاء القرآن وثَم عادة وثَم عُرف مشتهر، حينئذٍ يكون هذه العادة وهذا العرف مخصِّصًا للنص.

إذًا: العادة لا تخصص نصوص الشريعة إلا إذا كانت مقارنة لها في الوجود عند النطق بها، وأما الطارئة بعدها فلا تخصصها.

ولذلك قيل: التخصيص بالعادة مختلفٌ فيه، إن علمت جريان العادة في زمنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع عدم منعه منها فتخصيص. هذا لا إشكال فيه، لا بد من اشتراط أن يعلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها أو إن لم يعلم فعلم الله تعالى، ثم لم يمنعها، إن منعها فلا إشكال أنها ليست مخصِّصة.

لكن يرد هنا السؤال: وهو إن كانت العادة في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحينئذٍ أقرها، فهل التخصيص يكون بالإقرار أو بذات العادة؟

من قال بأن المراد أن العادة مخصِّصة، أراد بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرها فرجع إلى مسألة الإقرار .. تقرير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو حجة شرعية فحصل به التخصيص وهذا أولى؛ لأن شرط العادة المعتبرة هو إقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه، بدليل أنه لو منعها لامتنع التخصيص بها.

فحينئذٍ يكون مرده إلى الشرع وهو التقرير.

قال: وإن عُلم عدم جريانها لم يُخص إلا أن يُجمع عليه، -وإن كان ثم إجماع فهذا شيءٌ آخر-.

قال: (وَلَا تَخُصُّ عَادَةٌ عُمُومًا) وإذا لم تخصصه كذلك لا تقيد مطلقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت