(وَلِمَصْلَحَةٍ) {يَعْنِي وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ لِمَصْلَحَةٍ هُوَ الْبَيَانُ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ، كَتَأْخِيرِهِ لِلأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ فِي صَلاتِهِ إلَى ثَالِثِ مَرَّةٍ، وَلأَنَّ الْبَيَانَ إنَّمَا يَجِبُ لِخَوْفِ فَوْتِ الْوَاجِبِ الْمُؤَقَّتِ فِي وَقْتِهِ} وليس الأمر كذلك في هذه الصورة.
إذًا: لما أخَّره هل يرد على هذه القاعدة؟ الجواب: لا يرد؛ لأنه يتعلق بأمرٍ مستحب، أو بأمرٍ واجبٍ ولم يتحدد وقته لضيق الوقت، وإنما الوقت فيه سعة.
(وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَتَأْخِيرُ تَبْلِيغِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ إلَى وَقْتِهَا) .
يعني: ثَم مسألتان: تأخير البيان عن وقت الحاجة، الآن نحتاجه فيؤخِّره. هذا لا يجوز.
تأخير البيان إلى وقت الحاجة، يُوحَى إليه بعد العشاء بأمرٍ يتعلق بصلاة الفجر، لا يلزمه إلا إذا دخل صلاة الفجر، فإذا أخّره إلى ذلك الوقت لا إشكال فيه.
يوحى إليه في آخر شعبان بما يتعلق برمضان فأخّره إلى دخول رمضان يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، هذا ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن وقت الحاجة ما جاء، حينئذٍ يجوز إلى ذلك الوقت.
(وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أي: {أَيْ: الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُ تَبْلِيغِهِ أَيْ تَبْلِيغِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ إلَى وَقْتِهَا أَيْ: وَقْتِ الْحَاجَةِ} .
فإن وجوب معرفتها إنما هو لوجوب العمل ولا عمل قبل الوقت. هذا التعليل أجود.
فإن وجوب معرفتها -يعني: معرفة الحكم- إنما هو لوجوب العمل ولا عمل قبل الوقت.
{حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ, وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا, فَهُوَ جَائِزٌ -عند الجمهور- وَوَاقِعٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُبَيَّنُ ظَاهِرًا يُعْمَلُ بِهِ، كَتَأْخِيرِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ، وَبَيَانِ التَّقْيِيدِ، وَبَيَانِ مُدّة النَّسْخِ أَوْ لا، كَبَيَانِ الْمُجْمَلِ} .
يعني: لا يُشترط كذلك فيما يتعلق بالمخصِّص، قد يتكلم بكلامٍ مُجملٍ، وبيانه يقع مؤخَّرًا؛ لعدم دخول وقت المُجمل .. لا إشكال فيه، كذلك لو تكلم بكلامٍ عام ولما يأتي وقته فأخّر المخصِّص كذلك جائز، أو النسخ، أو نحو ذلك.
{وَعَنْهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ} لوجوب المبادرة إليه. {وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مُجْمَلٌ إلاَّ وَالْبَيَانُ مَعَهُ} .
إذا قيل: لا يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة، حينئذٍ لزم منه قولٌ وهو أنه لا يقع المُجمل إلا ومعه البيان .. إذا قيل بأنه لا يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، حينئذٍ لزم منه أنه لا يقع مجملٌ إلا ومعه البيان وَكَذَا غَيْرُ الْمُجْمَلِ.
وَاسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الراجح -الصَّحِيحُ- بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) )ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ.
هذا قرآن وهذا سنة، ولا شك أنه متأخرٌ عنه.