(وَلِمَصْلَحَةٍ) يعني: {وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ لِمَصْلَحَةٍ} يجوز، سواء كان البيان واجبًا أو مستحبًا، أو سواءٌ كان البيان لواجبٍ أو لمستحبٍ. إذا تعلقت به المصلحة حينئذٍ جاز، والمثال مشهور هنا.
(وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَتَأْخِيرُ تَبْلِيغِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ إلَى وَقْتِهَا) .
هذه القاعدة السابقة قد يُخطئ فيها بعض طلاب العلم: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فينزلها على نفسه وعلى العلماء إذا رأوا منكرًا أنه يجب عليه الإنكار؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة! لا. هذه خاصة بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه مشرِّع، فإذا أخَّر حينئذٍ دل على أن هذا الفعل إما جائزٌ وإما ثم أمرٌ يتعلق به.
وأما ما يتعلق بالمنكرات وأقوال العلماء، هذا مرده إلى المصالح والمفاسد، قد يسكت العالم على منكر منتشر مشتهر بناء على مصلحة ترجحت عنده، ليست وهمًا وإنما هو واضح بيِّن أن هذه المصلحة مقدمة على المفسدة، حينئذٍ قد يسكت ولا إشكال فيه، وهذا ينبغي أن يعقله طالب العلم، وليس كلما وجد مُنكر لا بد أن العالم الفلاني يتكلم لا، وخاصة إذا تكلم غيره وكُفي ولو كان أدون منه، ما دام أن ثَم من يتكلم بإنكار المنكر كفى.
ولذلك ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: يجب في إنكار المنكر أن تتحقق المصلحة، وأما إذا كانت المصلحة موهمة فلا يجوز الإقدام.
أو إذا ترتب على الإنكار مفسدة أعظم من المصلحة، وهذا قد يقع؛ خاصة إذا كان العالم له جهده في الدعوة وتعليم الناس ونشر التوحيد، قد يقع منكر فيفُوت عليه هذا الخير كله. ولا نريد أن ندخل في تفاصيل، لكن المراد هنا أن المسألة هذه متعلقة بخصائص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليست بعامة، فيُنتبه.
حتى لا يعتقد الإنسان أو يسيء الظن بقلبه ويقع في محذورٌ شرعي والأمر فيه سعة، فنتبه لذلك، والتدريج بالبيان ونحو ذلك.
ثم قال رحمه الله تعالى: (بَابٌ: الظَّاهِرُ لُغَةً الْوَاضِحُ) .
يعني: فِي اللُّغَةِ خِلاَفُ الْبَاطِنِ, وَهُوَ الْوَاضِحُ الْمُنْكَشِفُ.
وَمِنْهُ ظَهَرَ الأَمْرُ: إذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ, وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الشَّاخِصِ الْمُرْتَفِعِ يسمى ظاهرًا {كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الأَشْخَاصِ: هُوَ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي تَبَادَرُ إلَيْهِ الأَبْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي} .
حينئذٍ الظهور قد يكون في الأجسام، وقد يكون في المعاني.
قال: (الظَّاهِرِ لُغَةً الْوَاضِحُ وَاصْطِلَاحًا) أي: في اصطلاح الأصوليين (مَا دَلَّ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً وَضْعًا أَوْ عُرْفًا) أو إن شئت قل: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أرجح والآخر مرجوح، هذا أوضح مما ذكره المصنف.
يعني: هو كدلالة المجمل يدل على معنيين فأكثر، لكن هو في أحدها أرجح من الآخر، فإذا حُمل على الظاهر هو المتعين.
قال هنا: (مَا) {أَيْ لَفْظٌ} .
(دَلَّ) أي: على معنى .. لفظٌ دل أي: على معنى.
قال: (دَلَالَةً ظَنِّيَّةً) أخرَج ما دل دلالة قطعية وهو النص، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن من أنكر النص كفر .. إذا ثبت النص فحينئذٍ إذا أنكره يكون كافرًا؛ لأن دلالته قطعية.