وخرج حمل اللفظ على مدلوله الظاهر المرجوح والمحتمل معًا فلا يسمى تأويلًا.
إذًا: (حَمْلُ ظَاهِرٍ عَلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ وَزِدْ لِصَحِيحِهِ) .
قال: وزد يعني: إذا أردت التأويل الصحيح.
(لِصَحِيحِهِ) إذا أردت التأويل الصحيح.
(بِدَلِيلٍ) سواء كان الدليل قطعيًا أو ظنيًا.
على ذلك ينقسم التأويل إلى قسمين: تأويلٌ صحيح، وذلك إذا كان حمل ظاهرٍ على محتملٍ مرجوحٍ بدليل، ثم ليس كل ما ادُعي دليل فهو دليل، لا بد أن يكون الدليل في محله كاسمه: دليلًا.
فإن كان هذا الحمل لا على دليلٍ أو دليلٍ فاسد، فحينئذٍ يكون التأويل فاسدًا.
إذًا: (حَمْلُ ظَاهِرٍ) نقول: خرج به حمل النص على معناه.
وحمل المشترك على أحد معنييه هل يسمى تأويلًا؟ يسمى تأويلًا.
قال: (عَلَى {مَعْنًى} مُحْتَمَلٍ) أخرج حمل الظاهر على ما لا يحتمله.
(مَرْجُوحٍ) احترازًا على حمل الظاهر على المعنى الراجح، الأصل فيه هذا فلا يسمى تأويلًا.
قال: وهذا يشمل التأويل الصحيح والفاسد.
(وَزِدْ {فِي الْحَدِّ} لِصَحِيحِهِ) أي: {أَيْ: إنْ أَرَدْت أَنْ تُحِدَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ -قَوْلَك بِدَلِيلٍ أَيْ: حَمْلَهُ بِدَلِيلٍ} لكن أطلق الدليل فشمل القطعي والظني وأطلق الدليل فيختص بالدليل الشرعي الذي يصح أن يُعتمد عليه؛ لأنهم يأتون مثلًا: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) [طه:5] قال: استوى نحمله على المعنى المرجوح وهو الاستيلاء، ما الدليل؟
قالوا: عندنا دليل وهو الاستحالة عقلية. إذًا: هل هذا دليل؟ هذا فساد وليس بدليل.
إذًا: (بِدَلِيلٍ) المراد به الدليل الشرعي الذي يصح أن يُصرف به الظاهر إلى المعنى المرجوح.
وما أجمل ما قيَّد به ابن حزم رحمه الله تعالى القرينة في باب افعل، قال: لا بد أن تكون القرينة شرعية؛ لأنه ينضبط الباب .. افعل هذا من الشرع، حملُه على الندبِ هذا حكمٌ شرعي، من الذي يصرف الظاهر عن المرجوح هنا في هذا الباب؟ الشرع.
إذًا: لا بد من قرينة شرعية، إما كتاب، وإما سنة، وإما إجماع .. يعني: ما يثبت به حكم شرعي، وأما مجرد الاجتهاد العقلي! هذا ضيَّع النصوص كلها من دلالة افعل على الندب.
هنا كذلك: لا يُصرف عن معناه الظاهر إلى المعنى المرجوح إلا بدليلٍ شرعي، وأما مجرد الأوهام والخيالات العقلية وما يوافق المذاهب والآراء .. هذه لا ينبغي الاعتماد عليها البتة، هذا ليس بتشريع، إنما التشريع يكون من جهة الوحي، فما أطلقه الشارع إنما يقيده الوحي، وما عممه الشارع فإنما يخصه الوحي، وما أطلقه حقيقة ويصرف إلى مجازه إنما من جهة الشرع. فالشرع له الأول وله الآخر.
قال: (بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ) أي: أَيْ: يُصَيِّرُ الْحَمْلَ رَاجِحًا عَلَى مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ، فَيَصِيرُ حَدُّ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ: حَمْل ظَاهِرٍ عَلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمْلَ بِلا دَلِيلٍ مُحَقَّقٍ، لِشُبَهٍ يُخَيَّلُ لِلسَّامِعِ أَنَّهَا دَلِيلٌ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ تَضْمَحِلُّ, يُسَمَّى تَأْوِيلًا فَاسِدًا.