وحمله لا على شيء هذا يسمى لعبًا، فلعبًا يفيد كما قال هنا. يعني: إن أوّله بعقله هكذا دون دليل يسمى لعب -عبث- ليس بعلم هذا.
وإن حمله على دليلٍ فاسدٍ نسميه تأويلًا فاسدًا.
قال هنا: {بِلا دَلِيلٍ مُحَقَّقٍ لِشُبَهٍ} يعني: عنده شُبهة. وهذه الشبهة إنما تتعلق بذهنه لا في الدليل نفسه، ولذلك نقول في باب الأسماء والصفات: آيات الصفات هي نصوص يعني: لا تحتمل غير الظاهر، وما يرد على الذهن من المشابهة ونحوها، هذه شُبهة تعلقت بذهنه الفاسد، أنه لم يفهم من هذا النص إلا ما يفهمه من نفسه.
إذًا: وقعت عنده هذه الشبهة ابتداءً، ثم أراد أن يصحح النص قال: ظاهره غير مراد، بل قطع بعضهم أن ظاهره يفيد التجسيم أو يفيد الكفر أو من أصول الكفر .. إلى آخره.
فحينئذٍ عدلوا إلى المجاز، بعض من يكون صاحب حق يقول: هنا عندهم دليل صرفوا به اللفظ من ظاهره إلى مرجوحه.
إن سلَّمت بأنه دليل خوصمت، إن قلت عندهم أدلة، أنا أقول لك: يلزمك أن تجعل المسألة خلافية، وليس الأمر كذلك وإنما تجعل الآية نصًا بمعنى: أنها لا تحتمل غير الظاهر.
وعند كثير من أهل العلم من السلف: الظاهر إذا تعدد بلفظه صار نصًا، ولذلك مثّلنا قبل أيام (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) [طه:5] لو نظرنا إلى استوى وحدها: إن صحّ له معنى آخر يمكن حمله في هذا المقام. فحينئذٍ نقول: هذا معنى لغوي فاحتمل اللفظ، ولكن الظاهر هو المعتمد، هذا إن صح له معنى آخر يصح في هذا الموضع، لكن لما جاء في موضع ثاني قال: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) [طه:5] ، وفي موضعٍ ثالث، ورابع، وخامس، وسادس، وسابع .. هل نقول: الآية تحتمل؟ لا نقول تحتمل، لا تحتمل إلا عند العقل الفاسد .. الذي لم يهذب عقله بفقه السلف وعقيدة السلف، أما من فقه عقيدة السلف لا يقول بأن هذا اللفظ ظاهر، وإنما هو نصٌ.
إذا قلت: ظاهر فحينئذٍ أعطيت المخالف ما يتمسك به وهو أنه دليل، وإذا كان كذلك يلزمك أن تجعل المسألة خلافية إن لم تنظر إلى فقه السلف، ولذلك يقع عند بعضهم يقول: ثم شُبهٍ تعلقوا بها وهي أدلة.
نقول: لا ليست بأدلة، لا نسميها أدلة، ولا نقول بأن هذه ظواهر تحتمل التأويل، ولا نسميه تأويلًا بل نسميه تحريفًا.
على كلٍ: هنا قوله {أَنَّ الْحَمْلَ بِلا دَلِيلٍ مُحَقَّقٍ، لِشُبَهٍ يُخَيَّلُ لِلسَّامِعِ أَنَّهَا دَلِيلٌ} من أول ما يدخل في هذه المسألة: تحريفات أهل العقائد الفاسدة؛ بأن هذه النصوص .. نصوص الصفات أو آيات الصفات ليست مرادة لظاهرها بل هو باطن، بل بعضها يُعتبر كفرًا.
نحن نعتقد أن من أوّل وحرّف الاستواء هنا بااستولى هذا كفر، ليست مسألة بدعية فحسب.
ما كان له معنى في اللغة يصح أن يُعتمد عليه قد يقال بأن الشبهة وقعت في نفسه كتأويل اليد فيما إذا أُطلقت وأُفردت. وأما الاستواء، وأما اليدين. هذا لا يتأتى فيه التأويل ولا يتأتى فيه التحريف ولا يتأتى فيه أي دليل البتة، وكذلك العلو الذتي لا ينكره إلا كافر.
قال هنا: وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ تَضْمَحِلُّ, يُسَمَّى تَأْوِيلًا فَاسِدًا.