وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لا تَأْوِيلَ فِيهِ لا يمكن تأويله .. واضح؛ لأنه قال: أمسك وفارق، قسَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوَّز له أربعًا، وقال: أمسك فدل على أن النكاح صحيح، وفارق، والعلة هي: أنه لا يجوز الزيادة على أربعٍ، ليست العلة الإسلام ولا غيره، وإنما العلة: أنه لا يجوز أن يُبقِيَ معه زيادة على أربع.
ولذلك حدد له:
{قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لا تَأْوِيلَ فِيهِ} يعني: لا يمكن أن يؤول {وَلَوْ صَحَّ عِنْدِي لَقُلْتُ بِهِ} النتيجة واحدة: أنه لم يصِحْ .. ضعَّفه، يعني: لم يقل بمدلوله.
{وَأَبْعَدُ مِنْهُ أَيْ مِنْ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَنْ أُخْتَيْنِ: عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ} يعني: الاستدامة أو الابتداء {يَعْنِي: عَلَى ابْتِدَاءِ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، أَوْ إمْسَاكِ الأُولَى مِنْهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ} .
وهذا باطل؛ لأنه قال: هذا تخيير، حينئذٍ أيُّ صرفٍ لهذا الظاهر فهو تأويلٌ فاسد.
قال: {وَإِنَّمَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ} لأن السابق فيه شبهة .. لم يصرِّح بالتخيير، لكن هنا صرَّح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{لأَنَّ النَّافِيَ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الأَوَّلِ: هُوَ الأَمْرُ الْخَارِجُ عَنْ اللَّفْظِ} يعني: دليل خارج.
{وَهُوَ شَهَادَةُ الْحَالِ، وَهُنَا انْضَمَّ إلَى شَهَادَةِ الْحَالِ مَانِعٌ لَفْظًا وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: } هذا تخيير.
{فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ نِكَاحِهِمَا عَلَى التَّرْتِيبِ تَعْيِينَ الأُولَى لِلاخْتِيَارِ وَلَفْظُ: أَيَّتَهُمَا شِئْت هذا يَأْبَاه} يرُده.
قال: {وَتَأْوِيلُهُمْ} (إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَلَى إطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ) .
يعني هذا كذلك: (( فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) )قالوا: ستين مُدًا، ولو أُعطي لشخصٍ واحدٍ. حينئذٍ نظروا إلى الطعام ولم ينظروا إلى العدد .. عدد المساكين.
قال: وَتَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) )عَلَى إطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ.
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: لَوْ رَدَّدَهَا الْمُخْرِجُ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَتْهُ.
لأن العبرة بالطعام وليست العبرة بعدد المساكين، مع أن كون الباري قال: (( سِتِّينَ مِسْكِينًا ) )ما هو المعدود؟ المسكين. إذًا: ستون مسكينًا .. أفرادهم ستون، فحينئذٍ لا يجزئ إلا العدد.
حينئذٍ لو أخرج ستين مدًا لمسكينٍ واحدٍ ولو كان متواليًا في الستين يومًا، نقول: هذا لا يجزئ.