التقدير إنما يكون في دلالة الاقتضاء فحسب، وأما دلالة الإشارة فليس فيها تقدير، وإنما هو فهمٌ لتوابع اللفظ.
ثانيًا: دلالة الإيماء والتنبيه ليس فيها تقدير، وإنما هو ذكر حكمٍ معلقًا على وصفٍ، لو لم نجعل هذا الوصف علَّة للحكم لكان حشوًا.
قال: (وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ) {أَيْ اللَّفْظُ عَلَى شَيْءٍ يُقَدَّرُ} .
(وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ) {أَيْ لِتَعْلِيلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ} يعني: كان هذا اللفظ.
(كَانَ) {ذَلِكَ الاقْتِرَانُ} (بَعِيدًا) {مِنْ فَصَاحَةِ كَلامِ الشَّارِعِ، لِتَنَزُّهِ كَلامِهِ عَنْ الْحَشْوِ الَّذِي لاَ فَائِدَةَ فِيهِ} .
أطبق النحاة على أنه إذا أمكن مجيء النكرة لا يعدل عنه إلى المعرفة، هذا محل وفاقٍ عند البيانيين كذلك جمهور النحاة.
ولذلك قالوا: يُشترط في المبتدأ أن يكون معرفة، ولا يُشترط في الفاعل أن يكون معرفة، بل الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، والأصل في الفاعل أن يكون نكرةً .. قال رجلٌ، جاء رجلٌ .. لماذا؟ قالوا: متى ما أمكن حصول المعنى المتوقف على ذلك اللفظ بالنكرة والمعرفة فيها زيادةٌ، فلا يجوز العدول إليها البتة.
لما كان المبتدأ لا يسبقه شيء يدل عليه لا بد أن يكون معرفة لأنه محكومٌ عليه.
رجلٌ قائمٌ .. ماذا؟ ينتظر الجواب، وأما: قال رجلٌ. جئتَ بقال عرفت الحكم، فلما تقدم الحكم في باب الفاعل على الفاعل لم يُشترط في كونه معرفة، ولما لم يتقدم الحكم في باب المبتدأ حينئذٍ اشترطنا أن يكون معرفة؛ لأن المحكوم عليه لا بد أن يكون معينًا، وأما المجهول هذا لا يُحكم عليه: رجلٌ قائمٌ هذا لا يصح أن يكون قائم هذا خبرًا لرجل.
على كلٍ باتفاقٍ: أنه لا يجوز العدول إلى ما يمكن أن يكون فيه حشو إذا أمكن مجيء اللفظ دون هذه الزيادة.
هنا: المشتق هذا زائد على الجامد، ومر معنا أن الوصف أو الاسم قد يكون جامدًا وقد يكون مشتقًا، لا يُعدَل إلى المشتق إلا عند زيادة لا نجدها في الجامد.
إذا وجدنا زيادة في المشتق فحينئذٍ نقول: إذا علَّقنا الحكم عليه لهذه الزيادة الموجود فيه دون الجامد.
هنا كذلك: السارق اسم فاعل من السرقة، لولا أن السارق يدل على السرِقة وهو العلة لما جاء به هنا الشارع.
ولذلك أخذ أهل العلم أن الأحكام هذه معلَّلة بكونها مشتقات، فالحكم إذا عُلِّق على مشتقٍ دل على أن العلة هي ما منه الاشتقاق وهو السرقة والزنا .. إلى آخره.
قال: (وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ) وكان {ذَلِكَ الاقْتِرَانُ بَعِيدًا مِنْ فَصَاحَةِ كَلامِ الشَّارِعِ، لِتَنَزُّهِ كَلامِهِ عَنْ الْحَشْوِ الَّذِي لا فَائِدَةَ فِيهِ (فَتَنْبِيهٌ) أَيْ: فَدَلالَةُ تَنْبِيهٍ (وَيُسَمَّى) التَّنْبِيهُ (إِيمَاءً) } .
إذًا: دلالة التنبيه: كون الوصف علة الحكم المرتب عليه بفاء التعقيب -كما قال بعضهم- أو بما يدل على العِلِّية.