فهرس الكتاب

الصفحة 1303 من 1890

وهل هي مقصودة للمتكلم؟ نقول: نعم مقصودة للمتكلم، ولذلك قال بعضهم: إنها من دلالة المنطوق وليس من الصريح؛ لأنها ملفوظٌ بها، السارق دل على السرقة فهو ملفوظٌ بها، لكن هنا لما كان فيه إشارة إلى أن هذا الوصف رُتِّب عليه الحكم والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا قالوا: هذا مأخوذٌ من منطوق غير الصريح.

إذًا: هي مقصودة عند المتكلم بالأصالة لا بالتبع. إذًا: اقتران الوصف بحكمٍ، فهو مقصودٌ للمتكلم.

قال: {وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلِيَتَوَضَّأْ} .

من مسّ ذكره إذًا: مسُّ الذكر علة، ومعلومٌ عند الفقهاء أن أسباب الحدَث كلها علل، حينئذٍ قد تكون علة مناسبة أو غير مناسبة يعني: قد يُدرك التناسب بين الحكم وما رتب عليه وقد لا يُدرك.

مسُّ الذكر سبب وعلة، ومر معنا أن السبب والعلة مترادفان.

علة لماذا؟ للوضوء، من أين أخذنا هذا؟ من دلالة الفاء.

لما رتَّب الوضوء على مس الذكر ما العلاقة بينهما؟ لو لم يكن ثمَ علاقة بينهما لكان حشوًا؛ لأنه يرد السؤال: ما علاقة الوضوء بمس الذكر؟ إذا لم يكن هو سببًا في نقض الوضوء حينئذٍ لا وجه له البتة فصار الكلام حشوًا، وهذا ممتنع.

والذي دل على العلِّية هو الفاء مثل: سها فسجد.

إذًا: السجود علته السهو، فالسهو علة .. سبب، والسجود مسبَّبٌ.

مسُّ الذكر سببٌ والوضوء مسببٌ عنه. إذًا: الذي دل على ذلك الترتيب هو الفاء، هنا اقتران الوصف بحكمٍ، ما هو الحكم؟ وجوب الوضوء بقوله: فليتوضأ. هذه اللام لام الأمر ثم رتَّبه على مس الذكر، وأتى بالفاء الدالة على العلِّية، وهذه يأتي ذكرها في مسالك العلة من باب القياس.

إذًا: نستخلص من هذا: أن المنطوق منه صريح ومنه غير صريح.

المنطوق الصريح: ما دُل عليه بدلالة المطابقة وبدلالة التضمن.

المنطوق غير الصريح: ما دُل عليه بدلالة الالتزام.

ثم يتنوع إلى ثلاثة أنواع: دلالة اقتضاء، ودلالة إشارة، ودلالة تنبيه وإيماء.

دلالة الاقتضاء فيها محذوف، وهذا المحذوف يَتوقف صدق الكلام عليه، أو صحته عقلًا أو شرعًا.

دلالة الإشارة ليس فيها محذوفًا، الفرق بينها وبين السابق: أن دلالة الإشارة ليست مقصودة بالأصالة، وإنما هي من توابع اللفظ.

دلالة الإشارة ليس فيها محذوف بخلاف دلالة اقتضاء. فهذان فرقان يتضحان.

دلالة الإيماء والتنبيه ليس فيها محذوف وإنما فيه ذكر حكمٍ اقترن بوصفٍ، لو لم نجعل هذا الوصف علّة للحكم لكان الكلام حشوًا. هل هو مقصودٌ للمتكلم المعنى؟ نعم مقصود، وإلا لذهب مسالك العلة من أصله، بل هي كلها مقصودة، ولذلك اتفقوا على أن العلل على نوعين: منها منصوص ومنها مستنبط، وهذا الذي معنا من المستنبط.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالنَّصُّ الصَّرِيحُ) أراد أن يعرِّف النص، والأصل أنهم يذكرون النص والظاهر هنا، لكن مر معنا تقديم الظاهر.

فباعتبار الدلالة اللفظ إما أن يدل على معنى واحدٍ لا يحتمل غيره، أو يدل على معنيين. فإن استويا فهو المجمل.

وإن كان في أحدهما أظهر وأرجح فهو في الأرجح ظاهر.

وإن دل دليلٌ على اعتبار المرجوح فهو تأويلٌ صحيح، وإلا فهو تأويلٌ فاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت