قال: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ: أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ خَرَجَ لِبَيَانِ حُكْمِ حَادِثَةٍ اقْتَضَتْ بَيَانَ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ.
كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَاةِ لمَيْمُونَةَ فَقَالَ: .
هل يختص الحكم بشاة ميمونة؟ الجواب: لا. إذًا: شاة ميمونة هذا جاء سببًا، وحادثة.
لكن هنا قال: (وَلَا لِحَادِثَةٍ) يعني: ألا يكون المفهوم المُعْتَبر وقع جوابًا أو ورد لسبب وحادثة.
يعني: مر معنا في العام أنه لا يُخصُّ بسببه ولا يُخص بكونه وقع جوابًا لسؤال في الموضعين، العام قد يقع جوابًا لسؤال، وقد يرد اللفظ العام على سببٍ خاص.
كلاهما لا يعتبران صارفين للعام عن ظاهره، هنا العكس: فلا يُعتبر مفهوم المخالفة إذا وقع جوابًا لسؤال، لا يعتبر مفهوم المخالفة إذا وقع لسببٍ خاص وهي الحادثة، المراد بالحادثة السبب الخاص.
والقول هنا كالقول فيما سبق: أن الأصل فيه اعتباره سواء وقع جوابًا لسؤال أو ورد لسببٍ خاص؛ لأن الدلالة وقعت باللفظ وهي دالة بالنطق على المنطوق، ودالة بالمفهوم على المفهوم. والأصل أنه حجةٌ شرعية ولازم الحقِّ حقٌ، فحينئذٍ الأصل فيه اعتباره، وبذلك قال الشوكاني رحمه الله تعالى وبعض الأصوليين.
قال هنا: {وَكَمَا لَوْ قِيلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِزَيْدٍ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَقَالَ: إذْ الْقَصْدُ الْحُكْمُ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ، لا النَّفْيُ عَمَّا عَدَاهَا} .
لو تأملت ليس جوابًا من زيد أو عالم، من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا يدل على أن له مفهومًا. هذا الظاهر والله أعلم.
أن هذين الشرطين فيهما نظر.
{وَمِنْ هَذَا قَوْله سبحانه وتَعَالَى: (( لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ) )فَإِنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ فِي الآجَالِ: أَنَّهُ إذَا حَلَّ الدَّيْنُ يَقُولُونَ لِلْمَدْيُونِ: إمَّا أَنْ تُعْطِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ، فَيَتَضَاعَفُ بِذَلِكَ مُضَاعَفَةً كَثِيرَةً} .
هذا خرج مخرج الغالب، يعني: الوصف هنا أشبه ما يكون بما جاء فيه الوصف على الغالب (( لا تَأْكُلُوا الرِّبَا ) )مطلقًا أو مضاعفة .. أيهما المحرم؟
لو أخذنا بظاهره (( لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ) )لو أكل الربا مرة واحدة؟ جاز له، لكن ليس هذا المراد، وإنما الغالب في شأن العرب آنذاك هو هذا النوع، ولذلك هذا خرج مخرج الغالب.
ولا يشترط أنه سببٌ لحادثة، أين الحادثة؟ بل اللفظ عام، هذا يُجعل في الشرط السابق.
قال: (وَلَا لِتَقْدِيرِ جَهْلِ الْمُخَاطَبِ) .
يعني: {وَلاَ يُشْتَرَطُ أَيْضًا لِلْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ ذُكِرَ لِتَقْدِيرِ جَهْلِ الْمُخَاطَبِ بِهِ، دُونَ جَهْلِهِ بِالْمَسْكُوتِ عَنْهُ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ يَعْلَمُ حُكْمَ الْمَعْلُوفَةِ وَيَجْهَلُ حُكْمَ السَّائِمَةِ فَيُذْكَرُ لَهُ} .