{قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: لَمَّا حَجَبَ أَعْدَاءَهُ تَجَلَّى لأَوْلِيَائِهِ حَتَّى رَأَوْهُ} .
وهذه الآية معلومٌ أنها من نصوص إثبات الرؤية.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمهُ الله تعالى: لَمَّا حَجَبَ هَؤُلاءِ فِي السُّخْطِ كَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَرَوْنَهُ فِي الرِّضَا.
وَقَالَ أَيْضًا: فِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَبْصَارِ وُجُوهِهِمْ.
وَبِهَذِهِ الآيَةِ اسْتَدَلَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَلَى الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
إذًا: بالمفهوم .. مفهوم المخالفة.
{قَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَائِدَةٌ} إذًا: لم خُصَّ (( كَلاًّ إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) )؟ لو كان الحجب للجميع لما خص الكفار دون غيرهم، وكذلك الشأن في إثبات الفلاح أو نفي الفلاح.
{وَلا حَسُنَتْ مَنْزِلَتُهُمْ بِحَجْبِهِمْ} .
قال -هذه المسألة الأولى فيما يتعلق بالمفهوم-: {إذَا خُصَّ نَوْعٌ بِالذِّكْرِ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا} بقيد أن يكون هذا المذكور: (لاَ يَصْلُحُ لِمَسْكُوتٍ عَنْهُ) حينئذٍ يعتبر مَفْهُومُه، المفهوم هنا مفهوم المخالفة وليس الموافقة.
قال: (وَإِذَا اقْتَضَى حَالٌ أَوْ لَفْظٌ عُمُومَ الْحُكْمِ لَوْ عَمَّ، فَتَخْصِيصُ بَعْضٍ بِالذِّكْرِ لَهُ مَفْهُومٌ) .
هنا لو (اقْتَضَى حَالٌ) يعني: واقعة أو نحو ذلك.
(أَوْ لَفْظٌ) ليس بعام في أصله، لكن لو اقتضى كلٌ من الحال أو اللفظ عموم الحكم، وهذا ما مر معنا ما يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بالعموم المعنوي، أو ما يسمى بعموم الحكم، وهذا لا يؤخذ من اللفظ وإنما يؤخذ من السياق والقرائن.
لو اقتضى حالٌ ما .. واقعة ما.
(أَوْ لَفْظٌ) هو في أصله ليس بعام، لكن بالواقعة والنظر في السياق والسباق اقتضى (عُمُومَ الْحُكْمِ) لو أمكن تعميم الحكم (لَوْ عَمَّ) أي: هو الحكم.
(فَتَخْصِيصُ بَعْضٍ بِالذِّكْرِ) مع قيام المقتضي للبعض الآخر (لهُ مَفْهُومٌ) .
قال: {ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ} يعني: ممن نص على هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو الذي يسميه دائمًا بالعموم المعنوي أو عموم الحكم، كلاهما لا يُنظر فيه إلى اللفظ .. ليس فيه عموم، ليس عندنا الناس ولا الرجال ولا الرهط، ولا نكرة .. إلى آخره، وإنما يُنظر إلى السياق والسباق إما من جهة الحال الواقعة، وإما من جهة ما يقتضيه اللفظ.
مثَّل لذلك بقَوْله تَعَالَى: (( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) ) [الإسراء:70] مفهومه: أن لفظ الكثير أن مقابله القليل لم يُفضَّل، له مفهوم أو لا؟ له مفهوم قطعًا (( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ) ) [الإسراء:70] لكن كثير هذا لو نظرنا إلى القاعدة من جهة اللفظ أو عموم اللفظ لا يدل على العموم.