لكن لما كان التقسيم بين الكفار وبين غيرهم، أو بني آدم على جهة العموم على غيرهم قال: (( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) ) [الإسراء:70] .
ومنه كذلك: (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ) )إلَى قَوْلِهِ (( وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ) ).
هذا مفهومهم أن مقابل الكثير لا يسجد (( وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ) )هذا معطوفٌ على قوله: (( يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ) )وكثيرٌ من الناس يسجدون. مقابله: لا يسجدون.
وحينئذٍ نقول: هذا فيه عموم.
(( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) ) [يوسف:103] كذلك.
حينئذٍ أَخذ من هذه الألفاظ -وهو كثير في هذا المقام- أنه يفيد مفهوم المخالفة، وهذا يدل على القاعدة السابقة وهي أنه لا يُذكر شروطٌ لمفهوم المخالفة، وإنما يُنظر للتخصيص من حيث اللفظ. يعني: لماذا خُصَّ؟ العرب لا تزيد لفظًا إلا لفائدة.
حينئذٍ إذا زيد في الكلام أو ذُكِر لفظٌ فلا بد أن يكون له فائدة، وحينئذٍ الفائدة إما أن تكون باعتبار المفهوم -مفهوم الموافقة- أو باعتبار مفهوم المخالفة.
قال: (وَفِعْلُهُ لَهُ دَلِيلٌ كَدَلِيلِ الْخطابِ) هذا فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل له مفهوم أم لا؟
مر معنا أن المنطوق والمفهوم قسمان للدلالة، والمراد بالدلالة دلالة اللفظ، حينئذٍ إذا أخذنا بهذا التقسيم خرج فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه ليس بلفظ.
لكن لما كان النظر هنا في الدليل الشرعي، ومعلوم أن الدليل الشرعي قد يكون له تخصيص وقد يكون له تعميم، وقد يكون له مفهوم .. إلى آخره، هل فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسائر الألفاظ ممكن أن يُؤخذ منها مفهوم مخالفة أو لا؟ هذا محل خلافٍ بين الأصوليين، وأثبت هنا المصنف ورجَّح أن له دليلًا يعني: مفهومًا.
قال: (وَفِعْلُهُ) {أَيْ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ}
(لَهُ دَلِيلٌ) يعني: دليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة.
(لَهُ دَلِيلٌ) أي: مفهومٌ (كَدَلِيلِ الْخِطَابِ) {عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا} يعني: الحنابلة.
{وَأَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِ الإِمام أَحْمَدَ رحمه الله تعالى: لا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ شَهْرٍ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَعْدٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ} .
إذًا بعد الشهر لا يُصلى عليها، قبل الشهر يصلى عليها، من أين أخذ ذلك الإمام أحمد؟ من المفهوم. يعني: مفهوم فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هكذا قيل.
{وَضَعَّفَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ} .
لأن وصف العموم إنما يكون للفظ، وكذلك الخصوص، وكذلك الإطلاق إنما يكون للوصف، وأما الفعل فالأصل فيه عدمه.