ولذلك ذهب بعض الأصحاب إلى أن هذه الدلالة ضعيفة فهي غير معتبرة. يعني: لا يُنظر إلى فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باعتبار المخالفة.
قال: وَضَعَّفَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ لِلْفعَلِ صِيغَةٌ تَعُمُّ وَلا تَخُصُّ لا تعم ولا تخص، لماذا؟ لأن العموم والخصوص وصفان للفظ وليسا وصفين للفعل {فَضْلًا عَنْ أَنْ يُجْعَلَ لَهَا دَلِيلُ خِطَابٍ} .
لكن هذا لا يمنع إذا فُهِم من حادثة ما أو فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التخصيص أو النفي عما عداه أن يؤخذ به، وإنما كقاعدة عامة: هل كل فعلٍ له مفهوم أو لا؟ الجواب: لا.
لكن لا يلزم من ذلك ألا يكون ثَم تخصيصٌ أو أن يكون لفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفهومًا يُؤخذ منه بخلاف الحكم الذي فعله عليه الصلاة والسلام.
يعني: الفعل يُنظر له من جهة كل فعلٍ بخصوصه، وهذا قلنا لا يلزم من القواعد العامة التي يذكرها الأصوليون أن تكون مطردة، ولا يلزم من نفي بعض القواعد أن تنفى مطلقًا. وهذه لعلها ثالث قاعدة يُنظر فيها بالتفصيل.
القاعدة الأولى وهي: دلالة الاقتران. يُنظر فيها بالتفصيل.
القاعدة الثانية: مفهوم اللقب. هل هو حجة أو لا؟ لا نقول نعم ولا لا، وكذلك دلالة الاقتران لا نقول نعم ولا لا.
هذه لعلها تكون ثالثة، حينئذٍ نقول: فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا نجزم بأن له -كقاعدة عامة- مفهوم ولا ننفي، إنما يُنظر في كل فعل بخصوصه، وأما القواعد العامة هذه المستنبطة قد لا تطرد، وإنما يُنظر فيها فيما يمكن طرده، وأما ما لا يمكن طرده فيأتي فيه تفصيل.
قال: (وَدَلَالَةُ الْمَفْهُومِ كُلُّهَا بِالِالْتِزَامِ) .
وهذا مر معنا في أول المبحث.
{بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْيَ فِي الْمَسْكُوتِ لازِمٌ لِلثُّبُوتِ فِي الْمَنْطُوقِ} الثبوت إنما يكون في المنطوق واللازم الذي هو المسكوت يكون عكسه {مُلازَمَةً ظَنِّيَّةً لا قَطْعِيَّةً} .
لكن إذا كانت ظنية بمعنى أنه يحتمل ألا يُراد فلا إشكال، وأما إذا كانت بمعنى أنه لا يمكن ألا يُفهم إلا أن المسكوت له نقيض حكم المنطوق فقد نقول بأنها قطعية، وهذا ينبني على المسألة السابقة .. أنواع مفهوم المخالفة .. الأنواع الستة، من حيث الاتفاق وعدمه.
فما اتُّفِق عليه وأُجمِع عليه وكان الخلاف فيه غير سائغ، فهذا قد يقال بأن دلالته قطعية لا تحتمل، وهذا أشد ما يكون في مفهوم الشرط .. مفهوم الشرط دلالته لغوية ولا ينبغي أن يقع في نزاع.
ولذلك مر معنا كلام الشوكاني أنه لا يُنكره إلا العجم؛ لأن النظر في لسان العرب يدل على أنه ما عُلِّق الحكم بشرطٍ إلا لإثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. حينئذٍ جاء بالمُخالف.
ثم نصوص الوحيين كذلك .. عشرات الآيات، وكذلك فهم الصحابة أن الحكم إذا عُلِّق بشرطٍ دل على أن ثم مفهوم مخالفة يُنظر فيه باعتبار ما رُتِّب على المنطوق.
فحينئذٍ نقول -كقاعدة هنا- قال: {ظَنِّيَّةً لا قَطْعِيَّةً} .