نقول: إن كانت ظنية مما يحتمل ألا يكون المفهوم -مفهوم المخالفة- مُعتبر، أو يكون فيه نزاع في اعتباره، وهذا النزاع له وجهه .. الخلاف سائغ فيه. فهو كذلك.
وأما إن لم يكن بأن كان ثَم اتفاقٌ -وهذا قليل في المفاهيم- ثَم اتفاقٌ، لأن أبا حنيفة يرى إنكار المفاهيم كلها.
فحينئذٍ نقول: إذا لم يكن ثم خلاف كان النظر باعتبار فهم الصحابة .. فهم الصحابة في التقعيد والتأصيل، وإذا نفينا الخلاف بهذا الاعتبار صارت الدلالة قطعية والله أعلم.
قال: (فَصْلٌ: كَلِمَةُ:"إِنَّمَا"بِكَسْرٍ وَفَتْحٍ تُفِيدُ الْحَصْرَ نُطْقًا) .
هذا أراد بالفصل ما يسمى بمفهوم الحصر وهو: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
وله صور وصيغ، وهو مختلفٌ فيه. مفهوم الحصر أثبته البعض وأنكره بعض .. أنكره قومٌ وقال آخرون هو من المنطوق، والجمهور على أنه من المفهوم.
إذًا: ثَم من يُثبِت وثَم من يَنفي، ثُم من أَثبت اختلفوا: هل هو منطوقٌ أو مفهوم .. الحصر: إثبات الحكم بالمذكور ونفيه عما عداه؟
إذا قلنا بأنه مفهوم معتبر -وهو كذلك مفهوم معتبر ولا ينكره إلا أعجمي كذلك- فحينئذٍ نقول: هل هو من المنطوق أو من المفهوم؟ قيل وقيل، الجمهور على أنه من المفهوم، ولذلك ألحقه المصنف هنا بما اختُلِف فيه يعني: بالفصل السابق.
والجمهور على أنه من المفهوم، ويدخل فيه صور: منها"إنما"، كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أثبت الولاء للمعتق، ولزم منه نفيه عمن لم يُعتق.
إذًا: هذا إثباتٌ وهو نفيٌ .. إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
المذكور: المنطوق به .. الذي لُفِظ به، لمن أوجد العتق، لمن لا يُعتِق لم يُذكَر وإنما أُخِذ من المخالفة.
فحينئذٍ نقول: من لم يُعتق لا ولاء له. هذا الأصل.
إذًا: دل هذا اللفظ على حكمين: حكمٌ أُخذ من النطق، وحكمٌ أخذ من المفهوم على قول الجمهور ومن النطق كذلك على قول بعضهم.
المراد هنا: أن الحصر يُعتبر من المفاهيم عند بعض أهل العلم، وحقيقته إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
قال: (كَلِمَةُ:"إِنَّمَا") عبَّر بالكلمة وهي أعم وإن كانت هي حرف وهي مركبة من: إنَّ وما. واختلف في"ما"هل هي نافية وهذا ضعيف، وإنما هي زائدة كافة وسيأتي بحثها.
(إِنَّمَا) هي حرفٌ، وعبَّر بالكلمة ولا إشكال فيه؛ لأن الحرف نوعٌ من الكلمة.
قال: (بِكَسْرٍ وَفَتْحٍ) يعني: يستوي الحكم فيما إذا كانت إنَّ مكسورة أو مفتوحة؛ لأن إنَّما أصلها: إنَّ وزِيدت عليها ما، وما هذه تُزاد على إِنَّ فيُقال: إِنَّما، وتُزاد على أَنَّ فيقال: أَنَّما.
ثَم خلافٌ في إِنَّما وأَنَّما هل يفيدان الحصر أم لا؟
مبنى الخلاف: هذا على"أنَّ"هل هي أصلٌ مستقلة بنفسها أو أنها فرع إِنَّ؟ ثَم خلافٌ بين النحاة، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه أنها فرعٌ، ولذلك عدَّها خمسًا وعدَّها بعضهم أربعًا.
فـ: إنَّ أصلٌ وأنَّ فرعٌ، فلما زِيدت أو دخلت ما على إنَّ فحينئذٍ أفادت الحصر، فما ثبت للأصل ثبت للفرع، فكل حكمٌ يثبت للأصل وهو إِنَّ يثبت للفرع، إلا إذا منع مانع.