ثم قال رحمه الله تعالى: (وَيَجُوزُ نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ حَتَّى بِنَقِيضِهِ) .
(إيقَاعِ الْخَبَرِ) {الَّذِي أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِالإِخْبَارِ بِهِ} (حَتَّى) أنه يجوز نسخُه (بِنَقِيضِهِ) {أَيْ نَقِيضِ الْخَبَرِ الأَوَّلِ} .
قال في الجمع:"ونسخُ الأخبار بإيجاب الإخبار بنقيضها"يعني: يجوز.
قال الشارح: أطلق الجمهور أن النسخ لا يدخل الخبر. هكذا عبَّر جمهور الأصوليين: أن النسخ لا يدخل الخبر.
وفصَّل القاضي أبو بكر فقال: هذا في خبر الله تعالى وخبرِ رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأما أمرنا بالإخبار بشيء فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به. قال: كأَخْبِر عن زيدٍ كذا أو أخبِر زيدًا بكذا، ثم نسخَهُ يجوز أو لا يجوز؟ يجوز.
هذا الذي أراده هنا: (وَيَجُوزُ نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ) حينئذٍ إذا أمرك أن تُخبِر زيدًا أو نهاك عن أن تخبره جاز نسخُ ذلك الخبر بعكسه.
قال هنا: فأما أمرُنا بالإخبار بشيءٍ فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به، وسواءٌ كان مما يتغير كما لو قال: كلَّفْتُكم أن تخبروا بقيام زيدٍ ثم نسخه جاز؟ جاز، وهذا لا إشكال فيه.
كلَّفْتُكم أن تخبروا بقيام زيدٍ، ثم يقول: كلَّفْتُكم بأن تخبروا بأن زيدًا ليس بقائم. هذا نقيضه، جائز ولا إشكال فيه.
قال: ولا خلاف في جوازه لاحتمال كونه قائمًا وقت الإخبار بقيامه غير قائمٍ وقت الإخبار بعدم قيامه. يعني: ليس ثم تناقض.
ولذلك قال: (حَتَّى بِنَقِيضِهِ) لماذا؟ لاحتمال انفكاك الجهة، أخبِر بقيام زيد أو بصيام زيد، ثم قال: أخبر بعدم صوم زيد. يجوز النسخ؟ نعم يجوز.
في ظاهره أنه تناقض؛ لأنه في الأول إخبارٌ بصومه والثاني إخبارٌ بعدم صومه.
نقول: يجوز أن يكون هذا في وقتٍ وهذا في وقت، ولا إشكال ولا تعارض.
أو كان مما لا يتغير ككون السماء فوق الأرض مثلًا، قالوا: هذا يجوز أن يُنسَخ، لكن هذا كله جوازٌ عقلي، أما في الوقع فلا وجود له البتة.
ولذلك إذا عبَّر الأصوليون بـ: يجوز لا يقال بأن المراد بها الوقوع؛ لأنه قد يجوز عقلًا ولا يقع.
قال: (وَيَجُوزُ نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ) {الَّذِي أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِالإِخْبَارِ بِهِ} (حَتَّى) أنه يجوز (بِنَقِيضِهِ) {أَيْ نَقِيضِ الْخَبَرِ الأَوَّلِ} وهذا خالف فيه المعتزلة فحسب.
{قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: نَسْخُ الْخَبَرِ لَهُ صُورَتَانِ، إحْدَاهُمَا: نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ} وهذا فسروه بماذا -إيقاع الخبر-؟ يعني: إيقاع مدلول الخبر.
{بِأَنْ يُكَلِّفَ الشَّارِعُ أَحَدًا بِأَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ عَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ، أَوْ شَرْعِيٍّ كَوُجُودِ الْبَارِي، وَإِحْرَاقِ النَّارِ} .
وجود الباري قالوا: هذا عقلي، وإحراق النار هذا عادي، وَإِيمَانِ زَيْدٍ هذا شرعي، الأمثلة على ما سبق ثُمَّ يَنْسَخُهُ, فَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا.
وَهَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَقِيضِهِ؟ أَيْ: بِأَنْ يُكَلِّفَهُ الإِخْبَارَ بِنَقِيضِهِ؟ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ.
أخبِر بإيمان زيد، ثم ينسخه: أخبِر بعدم إيمان زيدٍ، نقول: هذا جائزٌ شرعًا ولا إشكال فيه، وهما نقيضان.
قال: (وَمَدْلُولُ خَبَرٍ) .