لكون الأمر موكولًا إلى المتكلم، واختار هذا القول الفخر الرازي في المحصول، وهو ظاهر كلام ابن مالك رحمه الله تعالى حيث قال: إن دلالة الكلام عقلية، واحتجوا بأن {مَنْ يَعْرِفُ لَفْظَيْنِ لاَ يَفْتَقِرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا مَعَ إسْنَادٍ إلَى مُعَرَّفٍ لِمَعْنَى الإِسْنَادِ, بَلْ يُدْرِكُهُ ضَرُورَةً} وهذا ليس هو الوارد عندنا هنا، يعني: قال: بأن من يعرف لفظين .. المستمع عندما يعرف معنى قام ويعرف معنى زيد، فإذا تكلم المتكلم فقال: قام زيد أدرك السامع إسناد القيام إلى زيد، علم معنى قام من جهة المفردات، ومعنى زيد من جهة المفردات، وأدرك بعقله بأن القيام منسوب إلى زيد، نقول: لا، لم يدركه بعقله فحسب وإنما أدركه بواسطة القاعدة المنقولة عن العرب وهي موضوعة وضعًا نوعيًا، وهو أنه إذا أراد الفعل الماضي عبّر عنه بما ذُكر، وإذا أراد الجملة الفعلية قدم الفعل على الفاعل، ثم رفع الفاعل بعد الفعل: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ وابن مالك يقول ذلك وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ هذا من أين مأخوذ؟ مأخوذ من لسان العرب، إذًا هو قاعدة.
فقولهم هنا: {أَنَّ مَنْ يَعْرِفُ لَفْظَيْنِ لاَ يَفْتَقِرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا مَعَ إسْنَادٍ إلَى مُعَرَّفٍ لِمَعْنَى الإِسْنَادِ} ليس بظاهر؛ لأن من قال: قام زيدٌ، المخاطب فهم إسناد القيام إلى زيد .. ثبوت القيام لزيد، لكن من أين فهمه؟ فهمه من كون قام فعل ماضي وزيد فاعل، وأُسند الفعل إلى الفاعل، والقاعدة: تقديم الفعل على فاعله: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ.
ثم من معنى آخر مستنبط من كلام العرب: أن الأفعال في المعنى صفات لفاعليها، فقولك: قام زيد كقولك: زيد قائم، زيد قائم مبتدأ وخبر، والأصل تقديم المبتدأ على الخبر وهو قاعدة وضعية، فحينئذٍ زيد قائم وقام زيد كلاهما اشتركا في أصل معنى وهو وصف زيد بالقيام، فزيد في الأصل سواء كان مبتدأ أو فاعلًا هو موصوف، وصفته بالقيام، ولكن اختلفا من حيث إسناد الزمن.
قال هنا: {بَلْ يُدْرِكُهُ ضَرُورَةً وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَكَّبُ مَوْضُوعًا لاَفْتَقَرَ كُلُّ مُرَكَّبٍ إلَى سَمَاعٍ مِنْ الْعَرَبِ. كَالْمُفْرَدَاتِ} وليس بلازم.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ} أراد أن يجمع بين الخلافين؛ لأن القول بأن الدلالة عقلية فيه شيء من النكارة يعني: قول محشي يحتاج إلى أن يُجمع بينه وبين غيره.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أُرِيدَ أَنْوَاعُ الْمُرَكَّبَاتِ فَالْحَقُّ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ} أنواع وليست آحاد، يعني القواعد العامة .. القوانين والسند.
{أَوْ جُزْئِيَّاتُ النَّوْعِ} قام زيد، زيد قائم .. إلى آخره، يعني التنصيص على الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر {فَالْحَقُّ الْمَنْعُ} نعم ونحن نمنع هذا، نقول: ليس المراد وضع الآحاد، وإلا لافتقرنا ألا نتكلم بشيء حادث، ولا نقلنا ألفاظًا إلى معان أخرى، وإنما نتكلم بما تكلمت به العرب فنسمي بما سمت العرب، فحينئذٍ نفتقر إلى أشياء أخرى.
{وَيَنْبَغِي أَنْ يُنزَّلَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى ذَلِكَ} .