{الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِهَذَا، كَالنَّسْخِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ سَائِرَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ} هذا المثال فيه نظر.
{وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَنَّ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: أَيَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} في أي وقتٍ من ليلٍ أو نهار {قَالَ: هُوَ النَّهَارُ، إلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: (( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) ) [البقرة:187] الآيَةَ} .
وهذه المسألة فيها نزاع عند بعض المتقدمين، وكذلك المتأخرين.
{قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّ الإِجْمَاعَ مُبَيِّنٌ لِلْمُتَأَخِّرِ، وَأَنَّهُ نَاسِخٌ لا إنَّ الإِجْمَاعَ هُوَ النَّاسِخُ} .
يعني كأنه يقول: قوله: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. هذا منسوخٌ بالإجماع، قيل: لا إجماع .. المسألة خلافية، لكن على كلام المصنف.
{قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّ الإِجْمَاعَ مُبَيِّنٌ لِلْمُتَأَخِّرِ} يعني: آية (( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) ) [البقرة:187] هذه متأخرة عن حديث حذيفة.
{وَأَنَّهُ نَاسِخٌ لا إنَّ الإِجْمَاعَ هُوَ النَّاسِخُ} .
إذًا: الإجماع يدلنا على أن هذا متأخرٌ عن هذا فيكون ناسخًا، لو لم ينقل الدليل معه بأن يقول: هذه الآية ناسخة حينئذٍ نقول: الإجماع لا ينسخ بنفسه لكنه متضمن للناسخ.
قال: {والثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} ولا شك أن حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدل على ذلك.
{نَحْوَ: } .
وهذا واضح، فقد يكون الحديث متصلًا وقد يكون منفصلًا.
{وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا: أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى خِلاَفِ مَا كَانَ مُقَرَّرًا بِدَلِيلٍ، بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى تَأَخُّرِ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ} .
هذا ليس على إطلاقه، بل لا بد من معرفة التاريخ .. المتقدم والمتأخر، فما قاله هنا: {بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى تَأَخُّرِ أَحَدِهِمَا} يعني: عدم الجمع يدل على أن أحدهما متأخر.
حينئذٍ يترجح عند الناظر -على حسب ما يترجح عنده-، نقول: هذا ليس بجيد، وهذا ما يدعيه بعض المتأخرين، كلما لم يتمكن من جمع بين دليلين قال: هذا ناسخ لهذا، ويأتي بقرائن تدل على أن هذا الحديث مقدَّم، نقول: لا، لا بد من العلم بالمتقدم والمتأخر .. لا بد من القرينة.
{الثَّالِثُ} الطريق في معرفة المتأخر فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظَاهِرِ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.