{يَعْنِي إذَا رَوَى الْحَدِيثَ أَحَدٌ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ تَأَخُّرَ رَاوِي أَحَدِ الدَّلِيلِينَ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ نَاسِخٌ} لأن الصغير يحتمل أنه أخذه من الكبير وأسقط .. مرسل صحابي.
ويحتمل أن متأخر الإسلام أخذه من المتقدم وأسقط صحابي؛ لأنهم عدول قد لا ينُصُّون على بعضهم.
قال: {لأَنَّ تَأَخُّرَ رَاوِي أَحَدِ الدَّلِيلِينَ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ نَاسِخٌ؛ وَلِجَوَازِ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ تَحَمَّلَ الْحَدِيثَ قَبْلَ إسْلامِهِ} .
قال: (وَلَا بِمُوَافَقَةِ أَصْلٍ) {يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا وَرَدَ نَصَّانِ فِي حُكْمٍ مُتَضَادَّانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ أَحَدَ النَّصَّيْنِ مُوَافِقٌ لِلْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ} يعني: قبل التشريع.
{وَالآخَرَ مُخَالِفٌ، لَمْ يَكُنْ الْمُوَافِقُ لِلأَصْلِ مَنْسُوخًا بِمَا خَالَفَهُ} .
نعم أحد النصين موافق للبراءة الأصلية، والثاني يعتبر ناقلًا، لا نجعل الثاني ناسخًا للأول.
{وَقِيلَ: بَلَى؛ لأَنَّ الانْتِقَالَ مِنْ الْبَرَاءَةِ لاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ يَقِينٌ، وَالْعَوْدَ إلَى الإِبَاحَةِ ثَانِيًا شَكٌّ، فَقُدِّمَ الَّذِي لَمْ يُوَافِق الأَصْلَ} .
قد يكون من باب الترجيح، هنا ما ينفيه المصنف المراد به النسخ، لكن يذكرون ذلك في مقام الترجيح، أن ما كان ناقلًا مقدمٌ على ما كان موافقًا للبراءة الأصلية، لكن ليس على جهة أنه منسوخ وإنما قد يتبين لغيره، إذا قلت منسوخ حينئذٍ تعين رفع الحكم على جميع الأمة. هذا الأصل فيه، لكن باب التراجيح أخف من هذا الباب.
إذًا: (وَلَا بِمُوَافَقَةِ أَصْلٍ) فلو وافق الأصل لا يُدَّعى بأنه منسوخٌ.
(وَلَا بِعَقْلٍ وَقِيَاسٍ) لا نسخ بعقلٍ، والعقل ليس مصدر من مصادر التشريع، فلا يُثبت الحكم ابتداءً ولا يرفع الحكم بعد ذلك.
كذلك القياس لأن مبناه على الاجتهاد، وفيه تفصيل عند بعضهم، لكن الصواب أنه لا يكون ناسخًا.
{لأَنَّ النَّسْخَ لا يَكُونُ إلاَّ بِتَأَخُّرِ النَّاسِخِ عَنْ زَمَنِ الْمَنْسُوخِ، وَلا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ وَلا لِلْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ} .
(وَلَا يُنْسَخُ إجْمَاعٌ) لأنا اشترطنا أن يكون المنسوخ في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والإجماع يكون بعد عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إذًا: {وَلَا يُنْسَخُ إجْمَاعٌ؛ لأَنَّهُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَنَّهُ يَرِدُ مَا يَنْسَخُهُ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ نَاسِخٌ} .
لأن النسخ محصورٌ في الوحي.
(وَلَا يُنْسَخُ بِهِ) أي: بالإجماع؛ لأنه حادث وإنما يُنسخ بالوحي، وإذا حصل إجماعٌ على أن الآية منسوخة، حينئذٍ الإجماع لا يكون ناسخًا بذاته وإنما يكون متضمنًا للناسخ. هذا المراد.