فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 1890

والصواب -ومر معنا- أنه من دلالة اللفظ، وعليه يُنسخ ويُنسخ به؛ لأنه وحيٌ دل ذلك على أنه تثبت به الأحكام الشرعية، وكلُّ ما ثبت به الحكم الشرعي في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاز النسخ به.

فنقول: كلُّ ما ثبت به الحكم الشرعي في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ احترازًا عن الإجماع والقياس.

قال: (وَنَسْخُ أَصْلِ الْفَحْوَى دُونَهُ) هذا فيما يتعلق بالتأفيف.

قال: {وَيَجُوزُ أَيْضًا نَسْخُ أَصْلِ الْفَحْوَى} الذي هو التأفيف (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ) [الإسراء:23] ويبقى الضرب على أصله دون نسخٍ.

يعني: مر معنا أن مفهوم الموافقة في قوله: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ) [الإسراء:23] دل على حكمين:

الحكم الأول: تحريم التأفيف، دل عليه بالنطق.

الثاني: تحريم الضرب، دل عليه بالمفهوم. يجوز أن يُنسخ التأفيف دون الضرب، هذا الذي عناه المصنف.

{وَيَجُوزُ أَيْضًا نَسْخُ أَصْلِ الْفَحْوَى كالتَّأْفِيف، كَمَا لَوْ قَالَ: رَفَعْتُ تَحْرِيمَ التَّأْفِيفِ مَثَلًا دونه أَي: دُونَ بَاقِي أَنْوَاعِ الأَذَى وَهُوَ الْفَحْوَى؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَةِ الْخَفِيفِ إبَاحَةُ الثَّقِيلِ} .

لكن يرد على هذا أنه الأصل .. أنه دليلٌ واحد فله جهتان، فإذا رُفع الأصل الذي هو النطق تبعه المفهوم فإنه لازمٌ له. هذا الأصل فيه .. القول هذا فيه تكلف.

وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْفَخْرِ إسْمَاعِيلِ الْبَغْدَادِيِّ, وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ، وَتَبِعَهُ الطُّوفِيُّ: بِالْمَنْعِ أنه لا يتأتى ذلك {وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ قَوْلُ الأَكْثَرِ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الأَصْلَ} وهو كذلك.

إذا ثبت أن دليل إثبات تحريم الضرب هو قوله: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ) [الإسراء:23] هذا كالشأن في القياس، إذا رُفع حكم الأصل رُفع الفرع، وهنا كذلك المفهوم فرع المنطوق.

قال: {لأَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الأَصْلَ، فَإِذا رُفِعَ الأَصْلُ فَكَيْفَ يَبْقَى الْفَرْعُ؟!} وهذا وجيه.

(وَعَكْسُهُ) يعني: عكس ما سبق.

قال: {يَجُوزُ نسخُ أَصْلِ الْفَحْوَى دُونَهُ، وَعَكْسُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى -وَهُوَ الضَّرْبُ مَثَلًا- دُونَ أَصْلِهِ وَهُوَ التَّأْفِيفُ} .

يعني: نسخ الفرع دون أصله، وهذا يمكن .. يمكن أن يُنسخ الفرع الذي هو مفهوم النطق ويبقى النطق كما هو لا إشكال فيه، أما السابق لا.

يعني: نسخُ الفرع دون الأصل جائزٌ، وأما نسخ الأصل دون الفرع، ولا دليل للفرع إلا هذا نقول: هذا ممتنع.

{وَعَكْسُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى -وَهُوَ الضَّرْبُ مَثَلًا- دُونَ أَصْلِهِ وَهُوَ التَّأْفِيفُ. كَمَا لَوْ قَالَ: رَفَعْتُ تَحْرِيمَ كُلِّ إيذَاءٍ غَيْرَ التَّأْفِيفِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا, وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ؛ لأَنَّ الْفَحْوَى وَأَصْلَهُ مَدْلُولانِ مُتَغَايِرَانِ} لكن يجتمعان في لفظٍ واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت