فهرس الكتاب

الصفحة 1389 من 1890

الأول: أنه دليلٌ شرعي مستقل كالكتاب والسنة ونحوه، وضَعَه الشارع لمعرفة حكمه سواءٌ نظر فيه المجتهد أو لم ينظر، وليس فعلًا للمجتهد، كما هو الشأن في الكتاب فهو دليلٌ مستقل سواء نظر فيه المجتهد أو لا، فهو صالحٌ للنظر سواءٌ نظر فيه المجتهد أو لا، كذلك السنة ونحو ذلك.

وهو مذهب الآمدي وابن الحاجب وغيره.

قالوا: لأن العلم به يؤدي إلى العلم بشيءٍ آخر، وليس فعل المجتهد كذلك، ثم هو دليلٌ ينظر فيه المجتهد. هذا قول.

والمذهب الثاني -وهو مذهب الجمهور-: أنه من فعل المجتهد؛ لأنه لا يتحقق إلا بوجوده .. لا يمكن أن يتحقق القياس إلا بوجوده.

فلو وُجِد الفرع والأصل والعلة الجامعة ولم يحصل الرد، لم يحصل القياس.

إذًا: لما كان الأمر كذلك صار القياس من فعل المجتهد؛ لأنه لا يتحقق إلا بوجوده، واستدلوا بأدلة منها .. -وأكثر ما يأتي في الاحتجاج لإثبات القياس يدل على ذلك-:

قوله تعالى: (( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) ) [الحشر:2] قالوا: الاعتبار هو الإلحاق، هو معنى الرد الآتي، بعد النظر في الأدلة (( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) ) [الحشر:2] هذا من فعل مَن الاعتبار هنا؟ من فعل المجتهد .. من فعل الناظر المُعْتَبِر. يعني: ينظُر في الأدلة ثُم بعد ذلك تحصل الثمرة وهي الاعتبار. وهذا فعل المجتهد.

كذلك حديث معاذ إن صحَّ وحسَّنه بعضهم، وبعضهم جعله من المقبول قال فيه: أجتهد رأيي .. بعد أن ذَكر الكتاب قال: ثم السنة، قال: ثُم أجتهد رأيي.

واحتج به بعض أهل العلم على أنه أراد القياس، وإن كان الاجتهاد أعم من القياس، فكل قياسٍ اجتهادٌ ولا عكس.

لكنه داخلٌ أم لا؟ داخلٌ .. أجتهد رأيي دخل فيه القياس، وليس خاصًا بالقياس وإنما يدخل فيه القياس؛ لأن القياس نوعٌ من الاجتهاد، ولذلك خُطِّئ َمن عرَّف القياس بأنه الاجتهاد؛ إذْ هو أعم منه.

إذًا: قول معاذ: أجتهد رأيي. دل على أن القياس من الرأي، وأنه يحصل فيه الاجتهاد، وأنه من فِعل المكلَّف؛ إذ ردَّ الحكم أولًا إلى الكتاب، ثم رده إلى السنة، ثم رده إلى الرأي والقياس رأيٌ، لكن منه صائب ومنه من لم يكن كذلك.

والقياس من الرأي فهو فعل المجتهد.

كذلك كتاب عمر لأبي موسى الذي اعتبره ابن القيم وأقام عليه كتابه، قال فيه: ثم قِس الأمور عند ذلك، دل على أن القياس من فعل المجتهد.

إذًا: هذا كله يدل على أن القياس المراد به: ما يتعلق بفعل المجتهد.

ينبني على هذا الخلاف: الجنس الذي يعتبر في تعريف القياس:

فمن قال بأنه دليل عرَّف القياس بأنه استواء أو مساواة بنفسه .. بذاته، استواء أو مساواة أو نحو ذلك. مما يكون وصفًا للفرع والأصل .. لذات الفرع ولذات الأصل.

فلا يتعلق الاستواء بفعل فاعل ولا يتعلق المساواة بفعل فاعل، هذا في الأصل؛ لأن المساواة صفة قائمة بالأصل والفرع فليس القياس فعلًا للمجتهد.

ومن جرى على الثاني -بأن القياس فعلٌ للمجتهد- عرَّف القياس بأنه ردٌ أو حملٌ أو إثباتٌ.

(رَدُّ فَرْعٍ) ردُّ من؟ ردُّ المجتهد، ردُّ الفرع إلى الأصل.

"حملُ فرعٍ"حملُ من؟ حمل المجتهد الفرع على الأصل.

كذلك إثبات. إثبات من؟ إثبات المجتهد الفرع للأصل. وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت