إذًا المصنف هنا قال: (ردُّ) حينئذٍ نقول: بأن القياس عند المصنف هو فعلٌ للمجتهد.
رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ) فسَّر الرد هو بأنه {الإِلْحَاقُ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ} .
منهم من عبَّر بالرد ومنهم من عبَّر بالإلحاق، ومنهم من عبَّر بالتسوية .. على كلٍ المآخذ قليلة، والمراد هنا أن يشتمل الحد على الأركان الأربعة المعتبرة في القياس، وهو: أن يكون ثم ذِكرٌ للفرع وهو المقيس، والأصل المقيس عليه، وحكم الأصل الذي يُراد تسوية الفرع بالأصل من أجله، ثم العلة الجامعة.
لا بد أن يكون مستوفيًا لهذه الأركان الأربعة، والغريب هنا أن المصنف أسقط أصل الحكم ولم يذكره، وكان عليه أن يذكر أربعة أشياء قال: (رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ) بقي ركنٌ رابع وهو في الحكم، وإن كان هذا مما يُنتقد على التعريف.
قال: (رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ)
شرح التعريف نقول: ردُّ هذا مضاف وهو جنسٌ مأخوذٌ في الحد.
ردُّ يدل على أن القياس من فعل المجتهد، وفسَّره المصنف بقوله: {وَنَعْنِي بِالرَّدِّ: الإِلْحَاقَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ} . كأنه يقول: نحن اخترنا الرد وغيرنا اختار التسوية، أو الإلحاق، أو الحمل .. وكلها بمعنى واحد.
والتدقيق في مثل هذه العبارات لا وجه له، وسيأتي معنى الفرع والأصل.
واحترز بالفرع عن أمرين (رَدُّ فَرْعٍ) والمراد به المقيس:
أولًا رد شيءٍ إلى غير فرعٍ؛ لأنه ليس المراد هنا مطلق القياس الذي يدخل فيه الأحكام الفقهية وغيرها لا، إنما المراد به (رَدُّ فَرْعٍ) الذي هو محلٌ للحكم الشرعي.
فهو أخرج: ردَّ شيءٍ غير فرعٍ إلى شيءٍ آخر عليه.
الثاني -مما أخرجه بالتنصيص على الفرع-: تعدية الحكم من الأصل إلى أصلٍ آخر نحو: قياس البُر على الشعير في الرِّبا، وقد نص عليها فيما سيأتي.
تعدية الحكم من الأصل إلى أصلٍ آخر. يعني: قد يُعدَّى الحكم من أصلٍ إلى فرعٍ، أو تعدية الحكم من أصلٍ إلى أصلٍ آخر.
إذا عُدِّي الحكم من أصلٍ إلى أصلٍ انتفى القياس، وإذا عُدّي الحكم من أصلٍ إلى فرعٍ ثبت القياس، وسيأتي بحث التعدية من أصلٍ إلى أصل.
واحترز بالأصل عن ردِّ فرع إلى فرعٍ آخر وهو ما يسمى: القياس على ما ثبت بالقياس، وسيأتي بحثه كذلك.
قوله: (بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ)
الباء هنا سببية يعني: تدل على أن سبب هذا الرد وهذا الحمل وهذا الإلحاق هو وجود علة، وهذه العلة موجودة في الأصل، ترتب عليها الحكم في الأصل، فحينئذٍ وُجدت هذه العلة وتحقق وجودُها في الفرع، فحينئذٍ لما وُجدت علّةُ الأصل الذي رُتِّب عليه الحكم في الأصل وُجدت في الفرع، الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
إذًا: (بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ) أي: علة حكم الأصل.
واحترز به عن ثبوت الحكم في الفرع بسبب نصٍ خارجي لا بالعلة، لا يكون قياسًا، أو ثبت الحكم بالفرع بسبب إجماع لا بالعلة، هذا لا يُعدُّ قياسًا عند الأصوليين.
وإن كان قد يُعد قياسًا في الشرع على جهة العموم.
إذًا: (رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ) وسيأتي بقية شرحه.