يعني: النص الدال على التحريم، اختُلف في الأصل ما المراد به على ثلاثة أقوال: القول الأول وهو الصحيح أنه محل الحكم، لا دليل الحكم ولا الحكم عينه وإنما المراد به محل الحكم وهو الخمر نفسها.
قيل الأصل: ليس هو الخمر وإنما هو دليل الحكم.
يعني: النص الدال على تحريم الخمر؛ لأنه الذي فيه التحريم.
قال: {وَقِيلَ: إِنَّ الأَصْلَ نَفْسُ حُكْمِ الْمَحَلِّ} وهو التحريم.
إذًا: ثلاثة أقوال في تفسير الأصل:
المحل المشبَّه به وهو الخمر عينها.
الثاني: دليل الحكم وهو النص.
الثالث: الحكم نفسه. والصواب أنه محل الحكم.
قال الآمدي: والأشبه أن يكون الأصل هو المحل على ما قاله الفقهاء. هذا هو الصحيح.
لافتقار الحكم والنص إليه ضرورة من غير عكس؛ فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم، قال السمعاني: وهو الصحيح. يعني: القول الأول هو الصحيح، وإن كان الخلاف لفظي.
قال هنا: {قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، لِصِحَّةِ إطْلاقِ الأَصْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا} .
لكن اعتبار ما قدمه الفقهاء هو أولى، ولذلك قال الزركشي: والجمع ممكن -يعني: بين هذه الأمور الثلاثة- إلا أن مساعدة الفقهاء أولى؛ لئلا يحتاج إلى تغيير مصطلحهم، وهم الخائضون في عمدة القياس.
يعني: يمكن أن يؤول على أن المراد بالأصل هو دليل الحكم أو الحكم نفسه، لكن كون أن يكون النبيذ ملحق بذات الخمر وهذا أولى من جعله دليلًا على الحكم أو الحكم نفسه.
{وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ الْحُكْمُ وَالْعِلَّةُ} .
قال: (وَالْفَرْعُ) الركن الثاني، وَالْفَرْعُ وهو المقيس، وهو الصورة التي لم يرد حكمها في نصٍ ولا إجماع.
(الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ) يعني: محل حكم الفرع المقيس، وهو الحق {كَالنَّبِيذِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ} .
كما قلنا في الأصل بأنه المحل .. محل الحكم، كذلك هنا المراد بالفرع هو المحل.
{وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ، حَكَاهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ} وغيره.
{وَقِيلَ: إنَّهُ حُكْمُ الْمُشَبَّهِ} يعني: حكم الفرع المقيس {وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ} .
"حكمه"أي: حُكم المشبَّه وهو تحريم النبيذ.
في بعض النسخ:"المشبَّه به"،"به"ليس لها وجه وإنما المراد به الفرع لأن الفرع مجهول، فإن أُريد به ذاته كالنبيذ فلا إشكال به، وإن أريد به الحكم يعني: حكمه، فهو مجهول. ويحتاج إلى إلحاقه إلى أصله.
قوله:"المشبَّه به"."به"هذا لا وجه له، ولذلك قال: {وَهُوَ التَّحْرِيمُ} تحريم النبيذ.
قال في تشنيف المسامع: قيل: حكمه أي: حكم المشبَّه وهو تحريم النبيذ.
{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَهُوَ الأَصَحُّ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ تَعْرِيفَ الْفَرْعِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ لِمُقَابَلَتِهِ لِلأَصْلِ، فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ لِمَا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، مِنْ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ} .
"أصلٌ وفرعٌ"يتقابلان.
إذًا الصواب هنا: أن القول الأول في تعريف الفرع هو المقدَّم: المحل المشبَّه يعني: دون نظرٍ إلى حكمه فهو النبيذ في المثال السابق، ولم يقل أحد أنه دليله؛ لأن دليله القياس .. يلزم منه الدور، وهو كذلك.