الثالث قال: {الْعِلَّة} وسيأتي تعريف العلة وأنواعها وما يتعلق بها.
قال: {فَرْعٌ لِلأَصْلِ وَأَصْلٌ لِلْفَرْعِ} .
"العلة"وهي المعنى الجامع بين الفرع والأصل وهي متحققة في الأصل، وهي التي يراد تعديتُها إلى الفرع. قال: {فَرْعٌ لِلأَصْلِ} لأن الحكم يثبت لها، حينئذٍ تكون هي ثم يوجد الحكم.
{وَأَصْلٌ لِلْفَرْعِ} أصل للفرع لماذا؟
لأن الحكم يثبت بها {اتِّفَاقًا، لِبِنَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ} .
وسيأتي البحث في العلة على جهة الاستقراء.
(وَالْحُكْمُ) هذا الركن الثالث، والمراد به حكم الأصل {الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْقِيَاسِ هُوَ} (الْمُعَلَّلُ) يعني: ما تعلقت به العلة، حكمه: هو ما تعلقت به العلة وهو التحريم .. تعلقت به العلة وهي الإسكار فيما سبق.
{لاَ الْمَحْكُومُ فِيهِ} .
قال القاضي أبو يعلى: وأما الحكم فما جلبته العلة، أو ما اقتضته العلة من تحريم وتحليل وصحة وفساد .. إلى آخر كلامه.
وقال ابن عقيل: وأما المعلول، فقد اختلف أهل العلم فيه. فقال بعضهم: هو الحكم. وعليه الأكثر وهو مذهبنا.
إذًا: الحكم هو المعلَّل.
قال: {خِلاَفًا لأِبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ} .
إذًا: هذه أربعة أركان، ثم أراد بعد ذلك أن يبيّن أن هذه الأركان ليست مطلقة وإنما هي مقيَّدة يعني: ليس كل فرعٍ يصح القياس وحمله على أصل، ليس كل أصلٍ وليس كل علة، وإنما ثَم شروط وضوابط معلومة بالاستقراء والتتبع. منها ما هو عليه دليل ومنها ما هو مجرد اجتهاد، منها ما هو حقٌ مقبول ومنها ما هو باطلٌ مردود، وبدأ بحكم الأصل لأنه قدَّمه فيما سبق.
قال: {وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ أَرْكَانِهِ شَرَعَ فِي شُرُوطِ صِحَّتِهِ، فَقَالَ} : (وَشَرْطُ حُكْمِ الْأَصْلِ) الشرط الأول: (كَوْنُهُ شَرْعِيًّا) .
أي: كون الحكم شرعيًا لا حكمًا لغويًا، ولا حكمًا عقليًا، ولا عاديًا، ولا حسيًا.
طبعًا الحسي والعادي لا يثبت به القياس، لكن المراد جهة التعميم، فحينئذٍ كونه حكمًا شرعيًا يعني: لا عقليًا وهو مورد من موارد القياس على خلافٍ هل يدخله القياس أو لا، وكذلك لا اللغوي، ومر معنا ثَم خلافٌ في اللغة: هل يدخلها قياسٌ أم لا؟
قال: (كَوْنُهُ شَرْعِيًّا) أي: كون الحكم شرعيًا ليخرج اللغوي والعقلي.
قال: (إنْ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا) يعني: الفرع المقيس إذا كان شرعيًا لا بد أن يكون أصله الملحق به شرعيًا؛ لأن الفرع قد يكون شرعيًا كالنبيذ، أردنا حكمه في الشرع، قد يكون مثلًا مسألة لغوية هل يثبت فيها قياس أم لا؟
مسألة عقلية: الغائب هل يقاس على الشاهد أم لا، أو الشاهد هل يقاس على الغائب أم لا؟ نقول: هذه مسائل فروع إما لغوية وإما عقلية.
إن كان المراد بالفرع إلحاق حكمٍ شرعي فحينئذٍ سُمي شرعيًا.
قال: (إِنْ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا) هذا قيدٌ تبِع فيه صاحب جمع الجوامع وقلَّ من نص عليه.
يعني: أن الفرع المقيس إذا كان شرعيًا لا بد أن يكون أصله الملحق به شرعيًا أيضًا.
فلا يمكن أن يُلحق فرعٌ شرعيٌ إلا بأصل شرعيٍ، هذا الأصل المعتمد عليه.