وأما إذا كان القياس في حكمٍ لغوي أو في حكمٍ عقلي بناء على الجواز فيهما، فلا بد أن يكون الأصل في اللغوي لغويًا، وأن يكون الأصل في الشرع شرعيًا.
قال هنا: {وَذَلِكَ؛ لأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ} .
بحثُنا في الأقيسة الشرعية، فلا بد أن يكون الفرع المراد أن يُلحق بأصلٍ: أن يكون كلًا منهما شرعيًا.
{وَلأَنَّ الْقِيَاسَ لاَ يَجْرِي فِي اللُّغَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ} على قولٍ أنه لا يجري في العقليات واللغويات.
{وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ} أنه يجري القياس في اللغة، أو يجري في العقليات {فَلا يَكُونُ قِيَاسًا} شرعيًا، بل لغويًا أو عقليًا؛ وذلك لأن الغرض من القياس الشرعي إنما هو تعريف الحكم الشرعي إثباتًا أو نفيًا، وأما كونه لغويًا أو عقليًا فهذا خارجٌ عن الشرعي.
{وَالْكَلامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِمَا} يعني: في اللغوي والعقلي {صَحِيحٌ} على الصحيح {يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ} وأما اللغوي هذا مر معنا الخلاف.
{كَقِيَاسِ تَسْمِيَةِ اللاَّئِطِ زَانِيًا} هل يسمى أو لا يسمى؟ فيه خلاف: هل يسمى اللائط زانيًا أو لا؟
إن صح القياس في اللغة يلزمنا الحد.
{وَالنَّبَّاشِ سَارِقًا} هل يسمى النباش سارقًا أو لا؟ إن صح فحينئذٍ القطع.
{وَالنَّبِيذِ خَمْرًا} هل صح تسميته خمرًا أو لا؟ إن ثبتَ فحينئذٍ التحريم.
ولذلك قال: {لِيَثْبُتَ الْحَدُّ} يعني: في اللائط {وَالْقَطْعُ} في النباش {وَالتَّحْرِيمُ} في النبيذ.
هذا إذا صححنا القياس في اللغة، فحينئذٍ نقيس اللائط على الزاني: بجامع كذا، فحينئذٍ يسمى في لغة العرب اللائط زانيًا.
كلما جاء لفظ الزاني والزانية حينئذٍ دخل فيه اللائط، النبَّاش يُسمى سارقًا أو لا؟ فيه خلاف. فإن صحَّحْنا أنه يسمى سارقًا فحينئذٍ"والسارق"هذا شمل السارق وشمل النباش، حينئذٍ دل عليه النص بمنطوقه، وكذلك النبيذ.
ولهذا زاد قيدًا هنا: (إِنْ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا) .
{فَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِلْحَاقِ نَفْسِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَلا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا} قاله البرماوي.
إذًا: الشرط الأول في الأصل: أن يكون الحكم شرعيًا، وأما غير الشرعي فلا مدخل له هنا.
قال -الشرط الثاني-: {وَمِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ: كَوْنُهُ غَيْرَ مَنْسُوخٍ} وهذا قل من نص عليه؛ لأنا لا نحتاجه؛ لأن غير المنسوخ ليس بشرعي، فإذا كان كذلك يكون داخلًا في السابق.
أن يكون مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ: كَوْنُهُ غَيْرَ مَنْسُوخٍ، المنسوخ هل هو حكمٌ شرعي؟ ليس بحكمٍ شرعي، إذًا: خرج بالشرط السابق، ولذلك قلَّ من نبَّه عليه.
قال: {لأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وُجُودٌ فِي الشَّرْعِ} وإذا لم يبق وجود في الشرع حينئذٍ لم يتحقق الشرط الأول فيه {فَيُلْحِقَ بِهِ الأَحْكَامَ بِقِيَاسٍ وَلاَ غَيْرِهِ} .
ولذلك لم يذكره بعضهم من الشروط لأنه زال اعتبار الجامع.