إذًا: هذا النوع الأول من المستثنى من قاعدة القياس قيل: لكونه غير معقول المعنى، حينئذٍ نُسلِّم بأنه لا يجري فيه القياس؛ لانتفاء ركنٍ من أركان القياس وهو العلة الجامعة بين الأمرين.
قال: {إمَّا لِكَوْنِهِ اسْتُثْنِيَ مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَالْعَمَلِ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ فِيمَا لا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ، أَوْ لَمْ يُسْتَثْنَ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَتَقْدِيرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ} .
كل هذه جاءت على سنن القياس ولكنها غير معقولة المعنى، فحينئذٍ لا تُجعل أصلًا فيقاس غيرُها عليها لانتفاء ركن من أركان القياس وهو العلّة.
{الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ} يعني: ما خرج عن سنن القياس وعُقل معناه {وَلَكِنْ لا نَظِيرَ لَهُ} .
وهذا على ما ذهب إليه المصنف أنه يصح القياس عليه، متى ما وُجدت فيه العلة وسيذكره فيما بعد. والقياس على هذا النوع مختلفٌ فيه، وأكثر أهل العلم على المنع.
قال: {مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ} يعني: العلة التي من أجله شُرِع.
وَلَكِنْ لا نَظِيرَ لَهُ.
وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (أَوْ لاَ نَظِيرَ لَهُ) {وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ} أو لا.
إذًا: هو في الأصل معقول المعنى ولا نظير له، ثُم قد يكون له معنى ظاهر أو لا يكون له معنى ظاهر، إما معنى خفي وإما معنى ظاهر.
مثَّل للمعنى الظاهر برخص السفر؛ لأنها خرجت عن الأصل لعلة السفر وله معنى ظاهر وهو المشقة، {أَوْ لاَ مَعْنَى لَهُ ظَاهِرٌ} بل خَفِيٌّ {كَالْقَسَامَةِ} فهي معقولة المعنى لكنها خفيٌ، هذا المعنى لا يدركه كل أحد.
وابن القيم وابن تيمية منعا ذلك وقالا: بل هو ظاهر، بل أظهر ما يمكن أن يُعلَّق به الحكم؛ إذ كيف يُجعل ما يكون مقامًا في الدم ونحوه ولا يكون شيئًا من ذلك ظاهر.
كَذَا مَثَّلَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: لَكِنْ فِي جَعْلِهِ الْقَسَامَةَ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى، وَهُوَ خَفِيٌّ نَظَرٌ ظَاهِر.
يعني: كونها معقولة المعنى لا إشكال فيه، لكن قوله: {وَهُوَ خَفِيٌّ نَظَرٌ ظَاهِر} .
{بِخِلافِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ} فهذه قد تخفى .. قد يكون فيها شيءٌ من الخفاء، يعني: لو حاول أن ينظر وأن يستنبط معنًى قد لا يدرك ذلك.
إذًا: مثَّل المصنف بالقسامة على معقول المعنى وله معنى خفيٌ وليس بظاهر، والصواب الذي انتقده البرماوي قوله: {فِي جَعْلِهِ الْقَسَامَةَ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى} .
[غير] هذه زائدة ولذلك قال: ساقطة من بعض النسخ، وهي كذلك في الأصل وهو التحبير، قال: لأن المعنى ينتكس معها؛ لأنه جعَلَها معقولة المعنى -النوع الثاني .. ما عُقل معناه- وهو يقول: غير معقولة المعنى، فغير هذه زائدةٌ.
إذًا: ذلك على ضربين .. المستثنى من قاعدة القياس: إما لكونه لم يُعقل معناه أو عقل معناه ولا نظير له. إذًا: هو خارجٌ عن القياس.