فهرس الكتاب

الصفحة 1409 من 1890

ثم بيّن شروط حكم الأصل، وهذا فيه إشارة إلى أن هذه الأركان ليست على إطلاقها وإنما هي معتبرة مع شروطها، وحينئذٍ ليس كل أصلٍ صحَّ أن يُشَبَّه به، وليس كل فرعٍ صحَّ أن يكون مشبَّهًا، وليس كل علةٍ يصح أن تُجعل وجه شبهٍ بين الفرع والأصل، وليس كل حكمٍ يُلحق به. وهو كذلك؛ إذ قد يكون الحكم لشيءٍ غير معلَّل، وأين التعدية للعلة؟

قال: (وَشَرْطُ حُكْمِ الْأَصْلِ: كَوْنُهُ شَرْعِيًّا إِنْ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا وَغَيْرَ مَنْسُوخٍ وَلَا شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ) وهذه كلها مرت معنا.

الشرط الرابع قال: {وَمِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا: أَنْ لا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ} وعرفنا أن هذا الشرط مبناه على أن بعض أبواب الفقه قد خرجت عن سنن القياس كالمزارعة، والحوالة، والقرض، والتيمم، والسلم .. ونحو ذلك.

هذه عند كثير من الفقهاء خارجة عن سَنن القياس يعني: كان القياس أن يأتي فيها التحريم، ولكنها خرجت وجاءت بالإذن ونحو ذلك.

وهذا كما ذكرنا أنه لا وجه له ولا اعتبار به؛ إذْ كل ما في الشريعة سواء ما ادعوا فيه أنه على القياس أو أنه خارجٌ عن القياس لا يخرج عن القياس، بل هو موافقٌ للقياس الصحيح.

ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وحقيقة الأمر أنه لم يُشرع شيءٌ على خلاف القياس الصحيح.

لأننا ادعينا أن القياس دليلٌ شرعي، حينئذٍ فرعٌ وأصلٌ وعلةٌ وحكمٌ، كان الأصل في السلم التحريم بناءً على القياس، لكنه جاء على خلاف القياس.

نقول: من قال لك بأن الأصل فيه أنه يأتي على التحريم؟ بل الأصل فيه الإباحة، وكونه جاء على خلاف القياس هذا في ظنك أنت، وأما في نفس الأمر فليس على خلاف القياس.

وقد أطنب ابن القيم رحمه الله تعالى في الإعلام في ردِّ هذه الشُّبه التي تمسك بها كثيرٌ من الفقهاء، بكون كثيرٍ من الأبواب خارجة عن أصل القياس.

إذًا: {أَنْ لا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ أَيْ: عَنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ، لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ حِينَئِذٍ} .

قال: {وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ} .

يعني: المستثنى من قاعدة القياس .. ما خرج عن القياس.

{أَحَدُهُمَا: لِكَوْنِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ} ما خرج عن القياس لكونه لم يُعقل معناه.

وهو الذي يُعنوَن له بالتعبدات، التعبدات هذه غير معقولة المعنى يعني: لم يُدرك الناظر أو المجتهد فيها علة للحكم، لا أنها لغير حكمة في نفس الأمر، بل ما من حكمٍ شرعيٍ إلا وهو مُرتَّبٌ على حكمةٍ عَلِمَها من عَلِمَها وجَهِلَها من جَهِلها.

حينئذٍ نُؤْمن بأن هذه الأحكام الشرعية لم تثبت لهذه المحال إلا لحكمٍ الله أعلم بها، ولم يظهر لنا ذلك، فلا ننفي.

لكن هل يجري فيها القياس أو لا؟ الجواب: لا.

قال: لكونه لم يُعقل معناه.

وهذا لا يصح القياس عليه؛ لأن شرط صحة القياس: أن يكون الحكم معقول المعنى، يعني: فيه علة، والعلة هذه مدركة: إما بالنص، وإما بالإجماع، وإما بالاستنباط؛ من أجل تعديتها إلى الفرع.

فإذا لم يكن له علة فكيف نُعدِّي حكم الأصل إلى الفرع وليس بينهما جامعٌ مشترك؟ فحينئذٍ يمتنع القياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت