ولذلك من الأمور التي تؤخذ على أهل القياس هو الإفراط في هذا الباب، ولو جرينا على ما قعّده الإمام الشافعي بأنه كالميتة فحينئذٍ سلِمْنا من كثير من الاعتراضات التي أوردها منكروا القياس. على كلٍ هذا يأتي بحثه في محله.
هنا قال: العنب على العرايا. نقول: العنب موجود في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لماذا نقيس؟
لما استثنى العرايا وهي خاصة بالرطب وحاجة الناس إلى الرطب أكثر وتعلُّق الناس إلى يومنا هذا بالرطب أكثر من تعلقهم بالعنب، وحاجتهم إلى الرطب أكثر من حاجتهم إلى العنب، مع وجوده في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إذًا: وتركه ولم ينص عليه، دل على أن ترك التنصيص على إلحاق العنب بالرطب في هذه المسألة هو القياس، وليس القياس أن نُلحِق ذا على ذاك. وإنما نقتصر بالقياس على المسائل العصرية، جاءت مسائل حادثة -نوازل- لم تكن في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فننظر! حينئذٍ يمكن إلحاقها بوجود علة الأصل أو نحو ذلك، وأما ما وُجد في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحينئذٍ الأصل فيه عدم القياس.
إذًا: قوله: {نَقِيسُ فِي الأَشْهَرِ الْعِنَبَ عَلَى الْعَرَايَا} هذا فيه نظر، والصواب أن الحكم مختصٌ بالرطب ولا يتعدى ذلك.
{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَنَا أَنَّ الاِعْتِبَارَ بِوُجُودِ: الْقِيَاسِ بِشُرُوطِهِ، وَكَوْنُهُ مَخْصُوصًا لا يَمْنَعُ إلْحَاقَ مَا فِي مَعْنَاهُ به} وهذا فيه نظر.
قال رحمه الله تعالى: (وَكَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ) .
هذا الشرط الخامس (كَوْنُهُ) أي: حكم الأصل (غَيْرَ فَرْعٍ) .
أن يكون حكم الأصل غير فرعٍ عن أصل. يعني: كونه غير فرعٍ لا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس، ما سبق: ما خرج عن السنن القياس، يعني: ما ادعى فيه الفقهاء بأن الأصل أن يأتي على القياس لكنه ما جاء، انتهت المسألة، قد يشتبه على بعض الطلاب.
هذا الشرط هل يجوز القياس على ما ثبت بالقياس؟
يعني: قلنا النبيذ مجهول الحكم وهو فرعٌ، قِيس على الخمر فعدَّينا الحكم الشرعي إلى النبيذ، فقلنا: النبيذ حرام.
إذًا: النبيذ ثبت بالقياس، هل يصح أن يُجعل النبيذ أصلًا فيقاس عليه غيره أو لا؟ هذا محل النزاع. فرقٌ بين هذه المسألة والمسألة السابقة.
هنا: ما كان فرعًا في قياس، فثبت له حكم الأصل، هل يصح جعلُ هذا الفرع بعد إثبات حكم الأصل له أصلًا فيقاس عليه فرعٌ آخر أم لا؟
المصنف يقول: {مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ} .
يعني: لا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس، وهذا مذهب الجمهور.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَمِنْهُ كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ} أي: كون حكم الأصل غير فرعٍ؛ باعتبار الأصل، يعني: هو قبل جعله أصلًا لقياسٍ آخر هو فرع.
قال: اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ.
وَقِيلَ لَهُ: يَقِيسُ الرَّجُلُ بِالرَّأْيِ؟ فَقَالَ: لاَ. هُوَ أَنْ يَسْمَعَ الْحَدِيثَ فَيَقِيسَ عَلَيْهِ.